هذه المقولة تمثل تلقي الفيلم الفرنسي (زوج الحلاقة)، وبالفرنسية كما جاء على ملصق الإصدار (le mari de la coiffeuse) الصادر عام 1990.
أما التهميش لدى الغربي، فإنه يتعاطى مع الموسيقى والطقس العربي كظاهرة توضع تحت المجهر (لهذا الزبائن ينظرون لبطل الفيلم كمجنون).
أما العربي فحيث الغرائبية؛ حين يلتفت إليه المركز؛ إذ لو كان السؤال هكذا: (لو كان ثمة شخص من إحدى المحافظات الواقعة في طرف هضبة نجد من جنوبها الغربي في السعودية مثلا- يُطرب ويستمع لمغنين مغرقين في الأغنية الفرنسية وموسيقاها، ويرقص رقصا غربيا؟) لن يكون التلقي بعجائبية مركزية، بل بتأمل ظاهرة العولمة التي لن ينجو منها أحد -كما يزعم المركز-؛ فنجد تلقي أحد الكتاب السعوديين يمثل هذه الغرائبية، حين قال: «لقد اعتدنا الموسيقى الغربية في أفلامنا، وفي كل مشاهد ثقافتنا وحياتنا تقريبا، حتى أصبحت حضورا لا يناقش. أما أن تمثل موسيقانا العربية والخليجية بالذات حضورا وأين؟ في فيلم فرنسي، فذلك ما ليس في حسبان هامشيتنا الحضارية وتواضع تطلعاتنا الثقافية».
إن الوعي المركزي -الذي سيطر على هذا الكاتب- انعكس من متن السعودية إلى هامشها، من مخملية المعيشة الثقافية في قلب العاصمة الرياض، إلى جميع قرى وهجر السعودية، أي أنه تمركز بعقلية العواصم، التي تهمش الأطراف، ومن هنا كان الحضور والغياب -في ذهن هذا الكاتب النموذج- ثنائية سطحية انعكست على ألفاظه وتعبيراته حول التطلعات العالية والتواضع، في لحظة مركزية حضارية (هم/ نحن).
إن هذا الفكر هو ما جعل فوكو يتابع -بحماس- الأحداث الإيرانية 1979 لينقض المركزية الثابتة، ويجد ما يعضد خروج الأحداث من منطق التفسير المركزي.
لهذا هل يمكن أن أقول: إن الغرائبية في أذهان المركزيين هي دليل على النقض، إذ لو قال أحدهم -في لحظة تمركز-: (إن ما يجري على أرض إيران غريب). كان دليلا على نقض المركزية. مع أن تملك الغرائبية لفكره سيحيل الفكر إلى أن يعيد الأوضاع إلى سياقاتها المألوفة لديه؛ أي أن أصحاب المركزية سعوا إلى تفسير الأحداث الإيرانية ضمن نظريتهم للتحول.
ومن ثم فإن أصحاب الغرائبية في الفيلم -هنا- ستتملكهم مقولات لم يجدوا لها رابطا بحسب تفكيرهم المركزي كـ «امتد الفيلم يروي حكاية أبعد ما تكون عن تفاصيلها الموسيقية». أو «المخرج يحب تلك الأغنيات فقط» بعد أن يصدّروا مقولاتهم بـ «لا نعرف مبررا لعشق أنطوان -بطل الفيلم- للموسيقى العربية». و«كل العناصر قابلة للتبرير ماعدا تلك المقاطع الموسيقية العربية...» إذ إن إخراج المقاطع الموسيقية من التبرير، أو جعل التبرير خارج إطار التحليل، هو لحظة مركزية في اللاوعي، إذ الفيلم يحلل بلا تقطيعٍ مركزي رغبوي، (والتفكير الرغبوي هو أمنية لم تتحقق فتحولت إلى صيغة أفكار نصبغ بها تفسيرنا للأحداث).
أعود للفيلم بعد تحويله إلى حقيقة عربية من خلال لغتها؛ فإن العنوان (زوج الحلّاقة)، يعتمد على (مضاف، ومضاف إليه)، وكان المضاف إليه: (الحلّاقة) نقضا للمضاف (زوج)، أي أنها جعلته مُفتقرا لها، حين تكون الحلّاقة هي البطلة في الوعي، وزوجها هو البطل في الواقع، ولهذا نلحظ أن (الأنثى) -بصفتها جاءت بطلة للوعي السردي بلا حقيقة درامية- لم تتحول إلى مركزية مضادة للذكر، بل كسرا له، ومن ثم إحالة على شكل ينطلق منه المعنى فحسب.
وهذا يحيلني إلى سؤال: لم كان المحل حلاقة؟ يقول في بداية الفيلم وهو يحلق شعره: «رأسي مبعثرة بالذكريات». الشعر هنا يحل محل الذكريات، وحين تحلقه فأنت تحلق الذكريات.
فما الذكريات ما دمت تحلقها؟! وقد حدد بداية الذكريات بأنها من على شاطئٍ في (سور مير). إذن للذكريات بداية كما للشعر بداية، وما دام نمو الشعر لا ينتظر خروج الجنين من الرحم، فإن الذكريات لا تنتظر الوعي المركزي، (إن كان ثمة وعي مركزي!!).
لكن ثمة بداية لكليهما نستطيع أن نقبض عليها، وهنا تكون الإحالة لغوية فحسب، حيث (بداية) لا تتجاوز المفهوم اللغوي إلى غيره.
ومن ثم فإن اللاوعي هو لغوي بطبيعته، ومن ثم فالشك ينطلق لنقض علم النفس نفسه؛ لهذا فإن الذي جعل تلك البداية هي البداية، تلك الإحالة إلى الأعضاء التناسلية، حيث جاء في بداية الفيلم -بعد قوله (رأسي مبعثرة بالذكريات)- حديث للزوج مفاده: «صنعت أمي لي ولأخي رداء للسباحة من الصوف، كان أحمر اللون، وبه بعض الكرات التي تشبه الكرز. وكان من سخافة تلك الملابس أنها لا تجف أبدا، ونحن دائما على البحر، مما يجعل الصوف دائما رطبا طوال النهار، وهذا يجعل الرمال تلتصق بمؤخراتنا، ومن ثم يصيبنا بالقروح. وبعد حوالي أسبوع أصبحت أمشي مباعدا بين ساقيّ كي أتجنب الألم. غضبتُ من أمي؛ لأنها صنعت تلك الملابس، لكني مسرور؛ لأنها سحبت -وبغير قصد- انتباهي إلى أعضائي التناسلية».
إذن الرابط هنا بين الوعي والمادة هو مجال لغوي، إذ الشعر يختلط بالذكريات في لحظة لا واعية.
وأختم بملمح حول حوار جرى في صالون الحلاقة، بين زبونين، يقوم على تساؤل: هل يوجد شيء بلا نموذجٍ سابق له؟ وكان الحوار بلا قطعية، إلا أنه يعبر عن معمار مركزية النظر للثقافات المغايرة.