على طريقة المثل الشعبي الشهير «عين لحاف وعين فراش»، الذي يطلق تعبيرا عن الترحيب الواسع بالضيف، انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة جميلة وسط عدد كبير من شباب منطقة نجران، خلدوا بها ما سبقهم من كرم الآباء وأجدادهم، وتمثلت في استقبالهم واستضافتهم عددا كبيرا من السواح الأجانب القادمين من عدد من دول العالم، وذلك على نفقة هؤلاء الشباب الخاصة، متكفلين بالضيف وأسرته المرافقة له منذ وصولهم إلى المطار وحتى مغادرتهم المنطقة.

ويعمل هؤلاء الشباب على تخصيص أماكن ضيافة للسياح القادمين للمنطقة في منازلهم الخاصة، ويعدون لهم الوجبات النجرانية، ويرتبون لهم جداول زيارتهم إلى كافة الأماكن السياحية والأثرية والأسواق الشعبية، ويشركونهم في عدد من الفعاليات العامة والخاصة مثل الزراعة والسقاية وركوب الخيل والإبل، كما يتم ترتيب رحلات برية لهم يعيشون فيها ليال من السمر الجميلة، ويتبادلون معهم الهدايا.

وتركت هذه الظاهرة كبير الأثر في نفوس السياح الذي يغادرون إلى بلادهم وهم في شوق كبير للعودة مرة أخرى، ناقلين معهم صورا جميلة ورائعة عن المملكة وشعبها وعن كبير الود الذي وجدوه والكرم وحسن الضيافة التي استقبلوا بها.

استقبال وضيافة

حول هذا الموضوع، وكيف يتم استقبال الضيوف والتنسيق معهم، يقول المحامي، الخبير في السياحة والآثار إبراهيم بن جهويل «يتم التنسيق مع السياح عن طريق موقع خاص بي في برنامج عالمي اسمه Couchserfing.. كاوتش سيرفنج.. فكرة البرنامج تتمثل في السفر غير المكلف عن طريق تعريف الشعوب الأخرى بثقافتنا وتراثنا، حيث يتم توفير سكن لهم بضيافة خاصة في منازلنا، وبضيافة عائلاتنا، وتوفير ما يلزم لهم على حسابنا ونفقتنا الخاصة لنتمكن من تقديم كل ما يحتاجونه ونوفر لهم ما يلزم بعد عنائهم ما يوفر عليهم مشقة السفر والترحال، مع تعريفهم أثناء زيارتهم، بالمنطقة وتاريخها، ونهدف من ذلك إلى تغيير نظرتهم وبعض المفاهيم الرائجة ونقل الصورة الحسنة عن مجتمعنا، وهم بدورهم لا شك أنهم سينقلونها ويتحدثون عنها عقب عودتهم إلى بلادهم».

زيارات متبادلة

يضيف جهويل «هناك عدد من السواح الألمان الذين زاروا المنطقة مؤخرا تلبية لدعوة تلقوها من أحد أبناء المنطقة، وهو عبدالرحمن آل سدران، والذي سبق أن كان في رحلة علاجية بوالدته وربطته علاقة صداقة بعدد من الأصدقاء الألمان الذين استضافوه هناك، فما كان منهم إلا تلبية الدعوة، حيث استضافهم في منزله الخاص منذ قدومهم حتى مغادرتهم، وقدم لهم واجب الضيافة، ورتب لهم جدول زيارات لأهم المناطق السياحية والأثرية والأسواق الشعبية».

الأماكن السياحية والأثرية

يتابع «أحرص على أن أذهب بالضيوف إلى الأماكن السياحية والتراثية في المنطقة مثل الأخدود وآبار حمى التراثية وقرية رجلاء القديم وقرية آل منجم التراثية وقلعة رعوم ومتنزه الملك فهد، وكثير من الأماكن السياحية والأثرية بالمنطقة والأسواق الشعبية.

ويكمل، كما نحرص على أن نقدم لهم ثقافتنا وتراثنا كما هي بدون تربح مادي، بل نصرف من حسابنا الخاص، فأنا المسؤول عن وقود المركبة وأقوم بضيافتهم في البيت.. ولا نجد منهم إلا بالغ الشكر والتقدير الكبير على تعريفهم بهذه المنطقة السعودية الثرية بهذا الكم من التراث والعادات والتقاليد، ويقومون بنشر ذلك في حساباتهم الخاصة عبر مواقع السوشيال ميديا، ليتعرف كثير من السياح على هذه المنطقة عبر تلك الآراء، فيتوافدون على زيارتنا وتتكون بيننا وبينهم علاقات شخصية، وغالبا ما تأتينا دعوات منهم لزيارة بلدانهم والسكن لديهم دون مقابل، لكني شخصيا لم أزر أياً منهم حتى الآن لانشغالي».

ويسترسل «نشعر أننا قمنا بشيء جميل وكبير حين نلمس الفارق في مشاعر ضيوفنا وقت المغادرة عنها وقت الوصول، فعند قدومهم ربما يشعرون بحالة من التوجس والفضول، لكن الأمر يختلف تماما عند مغادرتهم حيث يكونون مليئين بالامتنان والسعادة والتشوق إلى تكرار التجربة في المملكة، وكثير منهم يبدون أسفهم لارتباطاتهم واضطرارهم للعودة دون أن يسعفهم الوقت للتمتع أكثر بالمنطقة وأهلها وعاداتها وآثارها».

الطبخ والألعاب الشعبية

يؤكد جهويل بأنه يحرص هو وعدد من شباب المنطقة على أن يقوموا بإعداد رحلات برية، ورحلات أخرى في أهم المتنزهات في المنطقة للسواح وإعداد الوجبات بأنفسهم، وجعل كثيرا من السياح يشاركون في طبخ الأكلات الشعبية المعروفة في المنطقة مثل مضغوط الكبسة والمندي وعدد من الوجبات النجرانية الأخرى، فيسعدون بذلك كثيرا ويتحمسون، وقال: «نحرص أيضا على أن يرتدوا ملابسنا كالثياب والمذيل والشماغ والعقال، وأن يرتدوا كذلك الجنبية كما يشاركوننا في الألعاب الشعبية».

وعن أهم الأكلات التي تنال إعجاب هؤلاء السياح، قال: البر والمرق واللحم والمندي، كما يسعدون كثيرا هم وعائلاتهم وأطفالهم عندما نجعلهم يشاركوننا في الزراعة والري وجني الثمار سواء الفواكه أو الخضار.

أهم المشتريات

وقال بن جهويل «أحرص أن أقوم بوضع بعض البرامج مع الزملاء كرحلات برية ورحلات تسلق الجبال وزيارة الأماكن التراثية والأثرية، كما أنهم يحرصون على أن يقومون بشراء العديد من الأواني التراثية القديمة والقطع الأثرية القديمة والعديد من الملابس النجرانية القديمة، سواء النسائية أو الرجالية، ويحرصون على شراء الحجاب والعبايات والعودة والشماغ والحناء»، وبين أن أكثر ما ينال إعجاب السياح في نجران هو حسن وكرم الضيافة وبشاشة وجوه النجرانيين، حيث يؤكدون أن نجران أفضل وجهة زاروها من ناحية البشاشة والكرم والحفاوة وحسن التعامل والتقدير والمحبة التي يجدونها منذ قدومهم حتى مغادرتهم أثناء زيارتهم لكثير من دول العالم.

جنسيات مختلفة

وضح جهويل أن أهم الجنسيات التي تحرص على زيارة منطقة نجران الأسترالية تليها الألمانية ثم الهولندية والبريطانية والسويسرية والتشيكية والإسبانية والأوكرانية والفرنسية.

ومن أهم السواح الذين استضافهم، يقول «استضفت الكاتب الألماني الكبير ستيفن أورث مع مصوره الشخصي كريستوف، حيث أعدا كتابا عن السياحة في المملكة العربية السعودية، ولحسن ضيافتي معهم تم وضع صورتي على الغلاف، ووصل هذا الكتاب إلى أكثر عشرة كتب مبيعا في ألمانيا».

ضيافة خاصة

من جانبه، قال راشد آل منجم، المسؤول عن قرية آل منجم التراثية «يصلني عدد كبير من السواح من مختلف أنحاء العالم لزيارة القرية التي سبق وأن سمعوا عنها مسبقا، وهم يحرصون على زيارتها حسب الجدول المرتب لهم سواء عن طريقهم أو عن طريق المرشدين السياحيين أو من شباب المنطقة المحبين لهذا المجال، وبعد الانتهاء من الزيارة أحرص على ضيافتهم وإكرامهم وتقديم الهدايا لهم، وأعرض عليهم المبيت في الضيافة الخاصة التي جهزتها ووفرت فيها جميع ما يحتاجونه خلال مدة الإقامة دون أي مقابل مهما كانت مدة إقامتهم، وكثير منهم يرحبون بذلك، والبعض يعتذر لكونه قد حجز له مكان إقامة مسبقا أو أنهم سيغادرون المنطقة في نفس اليوم، كما أحرص على تقديم الفواكه النجرانية لهم كإهداء من مزرعتي الخاصة، وقد ولّد هذا انطباعا جميلا وكبيرا للغاية مما جعل عددا منهم يعاودون تكرار الزيارة للمنطقة، ولله الحمد لما وجدوه من حب وود وترحاب بالغ وتعامل حسن وكرم ضيافة».

مبادرة من شباب نجران لاستضافة سياح أجانب

الاستضافة دون مقابل في المنازل الخاصة

الاستضافة تشمل وضع برنامج سياحي للضيوف

الحرص على إعداد وجبات الأكلات الشعبية وتقديمها للضيوف

بعض الضيوف يشاركون في إعداد الوجبات

المواقع السياحية والأثرية والأسواق الشعبية تدخل برامج زيارة الضيوف

رحلات برية وأخرى إلى المتنزهات تترك انطباعات جميلة لدى الزوار

الزوار يشاركون في الزراعة والري والحصاد وجني الثمار والفواكه