يتطلب الإعلامي سنوات عديدة وتجارب مختلفة ومتنوعة في عالم مهنة المتاعب، حتى يتمكن من الوصول وصناعة اسم جدير بالثقة ليكون مرجعية للعامة للحصول على الأخبار وأحدث المستجدات. لهذا يعتبر الإعلامي أيقونة تنويرية في أي مجتمع ومصدر ومحط ثقة.

فهو منتم للسلطة الرابعة التي ينبغي أن تقف على مسافة واحدة من الأطراف الموجودة في الأحداث.

غير أن كثيرًا من النماذج الموجودة لدينا في الإعلام الرياضي -تحديدا- خلاف تماما تلك النظرة الأفلاطونية والركائز المهنية للإعلام.

ولعل ما حدث في قضية لاعب نادي الهلال محمد كنو مؤخرًا خير دليل على ذلك. فالاحتماء خلف شعارات الأندية والتحول من صراع ناديين على التوقيع مع لاعب إلى صراع إعلاميين الكل منهم يختبئ خلف مدرج فريق ما هو إلا تجسيد للامهنية.

فمن يتتبع القضية يجدها بدأت بانقسام جمهور الناديين حول اللاعب وانتهت بانقسام الجمهور على أي مذيع أكثر مهنية في التعاطي مع القضية.

وهذا يقودنا إلى فكرة أن الإعلاميين يحرصون على إبراز ميولهم أو الارتماء في أحضان مدرج بغية ذر الرماد على العيون تجاه أي قصور مهني منه، أو لصناعة مدرج وهمي له مصنوع من منطلقات أندية وميول وألوان وشعارات لا على أساس مهني.

فالجمهور أصبح مستعدًا للتغاضي عن سوء التعاطي الإعلامي وأخلاقيات وأدبيات المهنة ويقبل معلومات مغلوطة، الأهم لديهم أن يكون ذلك الإعلامي منتميًا لفريقهم.

وهم يكفلون له التسامح عن زلاته وسقطاته المهنية، بل يمكن أن يصنعوا له منابر ويمنحونه حصانة وسيلا من المديح الهائل لمجرد أن يتسق مع أهوائهم!.

المفارقة المحبطة هنا أن الإعلام الرياضي هو أكثر ميادين الإعلام اتساعً

ا في النقد، ومعاييره مختلفة وسقف حريته مرن، مما يستوجب ظهور نمط إعلامي مختلف.

إلا أنه وللأسف استخدمت هذه المرونة والحرية بطريقة خاطئة.

وهذه الميزة والإيجابية في المجال تحولت بسبب (عابثين) لسلبية، وأصبح الإعلام الرياضي بيئة طاردة ومخيفة، تتعمق في الذمم وقراءة النوايا وملامسة حدود أعراض الناس.

ورغم السواد المعتم في مشهد الإعلام الرياضي، إلا أن هناك زاوية تشع إيجابية تتمثل في استخدام هذا المجال للقصة الخبرية أكثر من أي مجال آخر، فعلى سبيل المثال وآخر القصص تمثلت في قضية «كنو» فالحدث لم ينقل بأنه (وقع اللاعب أو لم يوقع) وإنما كانت التفاصيل تنقل كقصة إخبارية تستلهم القارئ.

ولكن ما عابها أن تلك القصص كانت ملونة بصبغة الرأي.

إن اختباء الإعلامي خلف مدرج أو توجه على حساب المهنية أصبح أكثر اتساعا وتشعبا، وهو بلا شك مفهوم خطير يضعف المهنة.

قد يكون واضحا وانتشاره أكبر في المجال الرياضي، لكن حتى المجالات الأخرى نجد إعلاميين بقضايا وتيارات وأحزاب أكثر من توجههم للمهنة.

وبالتالي فإن المفهوم السابق بأن الإعلامي يصنع مجده من مهنته بدأ ينحسر الآن، فمدرج الإعلامي مبني على توجهاته وانتماءاته ليصبح المفهوم «الإعلامي يصنع مجده من مدرجه وميوله».