في يوليو من عام 1995 شهدت البوسنة أبشع جريمة ووصفتها الأمم المتحدة بـ»أسوأ جريمة ارتكبت على الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية»، وهي مذبحة سربرنيتشا حيث قتلت القوات الصربية بقيادة السفاح راتكو ملاديتش، بمشاركة وحدة العقارب شبه العسكرية الصربية أكثر من 8 آلاف من الأطفال والرجال وكبار السن، رغم إعلان الأمم المتحدة أن «سربرنيتشا» منطقة آمنة تحت حماية القوات الأممية.

شارك في هذه المجزرة الرهيبة الوحدة التابعة للجيش الهولندي والتي كانت تحت مظلة الأمم المتحدة، كان من المفروض على القوات الهولندية حماية المدنيين الذين لجؤوا إليها من هجوم الصرب الوحشي، لكن هؤلاء الهولنديين خانوا شرف العسكرية وسلموا اللاجئين إليهم للصرب حتى يعدموهم! وكان على رأس هذه الفرقة الهولندية قائد القوات الهولندية في سربرنيتشا توم كاريمانز الذي كان يحتسي الشراب مع المجرم السفاح راتكو ميلادتش ويسلمه الأبرياء البوسنيين يسوقهم إلى مذبحهم.

ما زالت آثار هذه الجريمة البشعة تتكشف كل يوم حتى الآن، تم الكشف بطريقة «دي إن إيه» عن جثامين ورفات ما يقرب من 6600 ضحية. هذه الجريمة النكراء أصبحت عارا يلاحق الجيش الهولندي تاريخيا، فما حصل مثال للجبن والخسة وخيانة القسم العسكري، والموضوع لا يحتمل إلا احتمالين، إما أن الجنود الهولنديين كانوا جبناء وخافوا من الصرب، وهذا يخرق كل مبادئ الرجولة والشرف والعسكرية، أو أنهم كانوا متواطئين، وهذه خيانة عظمى للأمانة التي أوكلت لهم.

ما زال الناس حول العالم يتحدثون عن جبن وخسة الكتيبة الهولندية دوتش بات 3، حتى الحكومة الهولندية حاولت التملص من الجريمة، ومع الوقت بدأت المحاكم الهولندية تقلل نسبة تحمل الخطأ على الكتيبة الهولندية حتى لا تدفع تعويضات كبرى لعوائل البوسنيين الضحايا.

تذكرت هذه الحادثة وأنا أرى تعامل الحكومة الهولندية الوحشي، أخيراً، مع بعض المتظاهرين وإطلاق الكلاب عليهم لعضهم، بكل همجية، وشعرت بقلق على حقوق الإنسان، لكن الغريب في الموضوع لم نر حملة لمن تدعي أنها منظمات حقوق الإنسان على هذه التصرفات الهمجية للسلطات الهولندية!

لو جرح إصبع شخص في الدول العربية لثارت منظمات الأبواق المستأجرة وهاجمت الحكومات، والآن هناك شبه صمت في ما يخص هولندا!

ولكن هذا المنظر الهمجي يعيد الذاكرة إلى مذبحة سربرنيتشا، إذا كانت القوات الحكومية الهولندية بهذه القوة والشجاعة على المتظاهرين، فأين هي أيام سربرنيتشا؟! أو كما يقول بيت الشعر العربي:

أسد علي وفي الحروب نعامة

ربداء تجفل من صفير الصافري

هذه ليست فقط مشكلة العديد من الهولنديين، بل مشكلتهم الكبرى أنهم وقحون وعريضو وجه، أي أنهم يحاضرون على الدول الأخرى عن حقوق الإنسان، وكأنهم يحملون لواء حقوق الإنسان على أكتافهم وتاريخهم في سربرنيتشا أسود! وينتقدون الخليج والعرب!

بعض الهولنديين يردد أن الخليج ليس مسموحا فيه بمظاهرات أصلا حتى ينتقدوا تعامل القوات الحكومية مع المتظاهرين الهولنديين! وهذه المقولة تدينهم أكثر، على الأقل القانون في الخليج يمنع المظاهرات، لكن أنتم من تدعون حقوق الإنسان وقوانينكم تسمح بالمظاهرات تعاملون الشعب بهذه الهمجية.

كمثال لم نكن ننتقد السماح بالحشيش المخدر في هولندا رغم أنه مجرم في كثير من دول العالم، وكنا نقول هذه قوانينهم الداخلية وهم أحرار فيها، لكن عندما يسمح القانون لديهم بالمظاهرات وادعاء حقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه، الحكومة تعامل المتظاهرين بهذه الوحشية، فهذا نفاق واضح، وعندما تحاضرون لبقية دول العالم عن حقوق الإنسان يصبح هذا منتهى النفاق!

الذي بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجر!

بالمناسبة، هل من الممكن أن نعرف أسباب أن الصواريخ (إذا جاز تسميتها صواريخ) المستخدمة من قبل الحوثيين، والتي تهرب من إيران لماذا محركاتها هولندية الصنع، رغم وجود حظر على تهريب السلاح على الحوثيين وإيران؟

هل نستطيع القول إن هذا تواطؤ أو غض نظر أو نفاق أو خرق لقرار الأمم المتحدة أم ماذا؟! لأن سجل الحوثيين في حقوق الإنسان أسود كما يعلم الهولنديون!

تمنيت من الخليجيين، أن يثيروا هذا الموضوع مع الأوروبيين، بدل الطريقة القديمة، لا تفتح الموضوع مع الأوروبيين وخله ساكنا.

سأفرض جدلا العكس، وسأقول لو الموضوع أن الأوروبيين وجدوا مثل هذه القضية على العرب هل سيسكتون؟! بل لوجدت حكوماتهم وإعلامهم وحقوق إنسانهم ليل نهار يتكلمون عن الموضوع، وهذا غير الابتزاز!

ماذا لو أن الخليجيين دعموا صندوق أمهات البوسنة لرفع قضية في المحاكم الأوروبية على الكتيبة الهولندية، ماذا سيكون مصير الكتيبة وقائدها الذي كان يشرب الشراب مع المجرم الصربي على رفات الضحايا، هل سيحاكم محاكمة مجرمي الحرب؟! هل سيكون للحكومة الهولندية عين لتحاضر على دول العالم بحقوق الإنسان؟!