على مدى أربعين عامًا من السعي والعمل، منذ أوائل ستينات القرن الماضي، جمع «جيمس ماندفيل»، أسماء النباتات العربية البدوية ومصطلحاتها، إبان عمله في شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) في الظهران بصفته مستعربا متمرسا ملحقا بوحدة البحوث العربية في الشركة.

كانت هذه الوحدة عبارة عن مجموعة بحثية على الطراز الأكاديمي، وشعبة من قسم العلاقات الحكومية في الشركة، وأسست بغرض المساعدة في تفسير الجغرافيا العربية وطبيعة الأفراد والعادات واللغة العربية، لتتمكن بذلك من التعامل معها بإدارة أمريكية بالكامل.

تعدد مجالات عمل مجموعته الصغيرة منحتهم فرصة التواصل عن قرب مع السكان البدو في أرجاء المملكة.

النباتات تميز التضاريس

عبر صفحات (عوالم النبات عند البدو) كتابه المتمحور حول «النباتات الرعوية واستخداماتها في صحراء شبه الجزيرة العربية»، يسرد ماندفيل كيف كان برفقة أحد معارفه من البدو، في عطلات نهاية الأسبوع، يقطع بسيارته الشخصية «اللاندروفر» الصحراء، يجمع أسماء الأماكن؛ سواء باللغة العربية الفصحى أو عبر الترجمة الحرفية الصوتية القياسية لها، لوضع أول سلسلة للخرائط الجوية القائمة على الصور لأنحاء السعودية كافة.

ويوضح متذكرا: «لقد عملنا على جمع البيانات شيئا فشيئا مع مجموعة كبيرة من المرشدين البدو الذين جرى اختيارهم بحكم اطلاعهم ومعرفتهم بتفاصيل كل منطقة جغرافية، وبينما كنت أعمل يوميا مع سادة التقاليد الصحراوية، البدو، لاحظت أنهم غالبا ما يستخدمون أسماء النباتات في وصف حدود أو خصائص المناطق الجغرافية المختلفة، وينطوي وعيهم على استخدام الكثير من أسماء النباتات كنوع مميز للتضاريس».

عرف الرحالة الغربيين

هناك مجموعة متنوعة من أسماء النباتات البدوية المنتشرة في كتب الرحلات والمذكرات الأوروبية.

بدءا من عام 1876 ـ 1878 على الأقل، وعبر رحلات ريتشارد بورتون في مدين، وتشارلز دوتي في الحجاز وشمال نجد (ناهيك عن رحلة نيبهور في القرن الثامن عشر إلى اليمن، التي تقع خارج المنطقة اللغوية المشمولة هنا). كان العرف لدى الرحالة الغربيين هو الإحاطة بالأسماء العربية للنباتات والحيوانات الأكثر وضوحا من التي صادفوها، وتدوين ملاحظات عنها.

وقد أحضر البعض منهم ممن تميز بعمق تفكيره العلمي عينات من النباتات للتعريف بتلك الأعشاب (على سبيل المثال، بورتون [1879] 1984، فيلبي 1922، 1933، تشيزمان 1926).

العلاقة بين البدو والنبات

الرحالة الغربيون أو المقيمون منهم الأكثر طلاقة في اللغة العربية ولديهم خبرة أكبر مع الحياة البدوية، مثل هاري سانت جون فيلبي وألويس موسيل، تمكنوا من تحصيل بعض من الأسماء البدوية الأكثر شيوعا على مستوى شكل الحياة أو المستوى الوسيط.

الأعمال التي وضعها المستكشف والمؤرخ التشيكي ألويس موسيل، عن رحلاته شمال شبه الجزيرة العربية بين عامي 1908 و1915، تركت كنزا من المعلومات حول العادات والتقاليد الجغرافية والبدوية، وغالبا ما ضمت تفاصيل مذهلة.

وعلى الرغم من أن أهدافه الأساسية لم تكن نباتية، فقد جمع العديد من النباتات بأسمائها البدوية، وتعكس أعماله، سيما الأسماء العامية واستخدامات النبات، صورة قيمة للغاية عن العلاقة بين البدو والنبات.

الصقيع القارس

لا يغفل ماندفيل عن التطرق للمناخ الذي -بالضرورة- يلعب دورا رئيسا مؤثرا في الغطاء النباتي للصحراء العربية، ويصف مناخ منطقة دراسته بقوله: "يعد المناخ الجاف وشبه الاستوائي في شرق السعودية نموذجيا لمناطق الصحراء العالمية الواقعة على طول الحواف القطبية لأحزمة الرياح التجارية، ويعبر هذه المناطق تيار هوائي مستقر هابط بشكل عام يسخن بشكل ثابت لا تبادلي لأنه يفقد الارتفاع ويصبح جافا بالنتيجة».

ثم يقبض على محور دراسته بعد تفصيلات لمناخ وأمطار المنطقة قائلا: «بمجرد الوصول إلى هناك، ارتسمت ابتسامة عريضة على وجوه النسوة إذ رأين الجذور القوية لشجيرات العبل الكبيرة التي ستؤمن لهن حطبا جيدا. فهن بحاجة إلى قدر كبير من الوقود في الأسابيع المقبلة التي قد يرافقها الصقيع القارس في بعض الأحيان».

شجيرات العرفج

يلفت ماندفيل، إلى أن جميع اللهجات العربية، كغيرها من أفراد عائلة اللغات السامية الأخرى مثل العبرية والإثيوبية، تتميز بوجود أشكال من الكلمات اللفظية والاسمية (بما فيها الصفة) مبنية على جذر مكون من ثلاثة حروف ثابتة وفق تسلسل محدد (نادرا ما يكون أربعة حروف).

ويوضح ماندفيل أكثر حين يقول «اللهجة النجدية العربية، كغيرها من اللهجات العربية، تتضمن صيغة اسم جماعي يميز أسماء الأشياء المتعلقة بالطبيعة كالحيوانات والنباتات وكذلك الحجارة والمعادن. يعرف في قواعد العربية الفصحى بـ «اسم الجنس» (أو اسم النوع)، العرفج، «شجيرات العرفج بشكل عام»؛ عرفجة، «شجيرة عرفج واحدة».

ليست جميع أسماء النباتات هي أسماء أجناس من هذا النوع، لكن الغالبية العظمى كذلك.

ويشير ماندفيل إلى أن التصنيفين المعترف بهما عالميا «شجر» (النباتات المعمرة) و«عشب» (النباتات الحولية) هما صيغتا جماعة، في حين أن الطوالع وهي الفئة التي يبدو أنها تستخدم من قبل بضع قبائل شمالية فقط، تُعد «جمع تكسير» قياسي.

أسماء النباتات الحالية والإسلامية القديمة

يقارن الكتاب بين أسماء النباتات البدوية، وتلك الواردة في كتب من التراث العربي في سياق الموضوع ،ومن بينها (كتاب النبات) لأبي حنيفة الدينوري (توفي 895 م)، وكتاب النبات للأصمعي (توفي 831 م)،

و (كتاب الشجر والكلأ) لابن خالويه (توفي 980 م)، مراجعا أوصاف النبات التي قدمها المؤلفون الأصليون، وما إذا كان الوصف يشير إلى أن النبات هو الذي تم تسميته اليوم، أو إذا بدا أن الوصف يشير إلى نبات مختلف.

ويقرر أن الأوصاف العربية الفصحى القديمة غير مكتملة ونادرا ما تكون حاسمة.

كما يلفت ماندفيل إلى أن المجال الدلالي للمصطلح «نبات» في القرآن الكريم وبعض الاستخدامات العربية الفصحى القديمة الأخرى مختلفة نوعا ما.

ويوضح ماندفيل: في العديد من الحالات، استخدمت المصطلح نبات من حين لآخر في المناقشات حول النباتات مع البدو الأميين، ومن الواضح أنهم فهموا ذلك، لكنني لم أسمعهم أبدا يتلفظون به أو يستخدمونه فيما بينهم، يبدو أنه ليس جزءا من مفرداتهم النشطة.

أحد الأسس الواضحة لفهمهم للمصطلح هو ببساطة وجوده كاسم لفظي للفعل "نبت" الذي أفترض أنه موجود في حديثهم.

ربما سمعوا ذلك أيضا في اقتباسات من القرآن الكريم في التلاوات التي تصدر من أجهزة البث الإذاعي أو حتى من البرامج الإذاعية حول العلوم الشعبية.

ويقول مستشهدا بنماذج من أبيات شعرية «تظهر كلمة نبات على الأقل في بعض الأحيان في الشعر البدوي الحديث».

قيمة الكتاب

يعد الكتاب الصادر عن دار الرافدين والذي ترجم بواسطة" إيمان معروف" وراجعه " كريم راهي"، كتابا مرجعيا مفصليا مهما، استغرقت ترجمته ومراجعته وقتا ليس بالقليل، ناهيك عن تحقيق أسماء الأشخاص والقبائل والمناطق الجغرافية وأسماء النباتات التي روعي في نقلها للعربية توخي الدقة والحرفية، وخص الناشر بالذكر الباحث السعودي «عوض صالح السرور» الذي راجع مسودة الكتاب، الذي اشتمل على تدة فصول منها : «الجيولوجيا والتضاريس، المناخ، الحياة النباتية والنباتات الطبيعية، أرض شجيرات الرمث الملحية، حياة البدو، القبائل البدوية، النجوم والأرض والنباتات المفيدة، نباتات الرعي وعلف الماشية، الإبل، الوقود وإشعال النار، النباتات البرية المستخدمة كغذاء، الاستخدامات الطبية للنباتات، الصابون ومستحضرات التجميل ومنتجات العناية بالأسنان والبخور، الدباغة والأصباغ، البارود والحرف اليدوية والبناء، النباتات في لعب الأطفال، المصطلحات التشريحية النباتية، النباتات البدوية من حيث المكان والزمان، العلاجات النباتية المباعة في دكاكين العطارين المعالجين بالأعشاب....إلخ».



جيمس ماندفيل

* أقام في السعودية معظم حياته.

* تخصص في اللغة العربية بجامعة جورج تاون.

* حصل على شهادة دكتوراه في علوم موارد الأراضي القاحلة من جامعة أريزونا.

* تضمن عمله الأول لحساب (أرامكو)، تقصي المعارف القبلية والأسماء الجغرافية لأجل برامج رسم الخرائط ودراسة الحدود الدولية.

* اهتمامه بالحياة النباتية الصحراوية والتسميات النباتية البدوية أدى إلى اقتناء مجموعات واسعة من العينات لمتحف التاريخ الطبيعي، لندن

* عمل مستشارًا لمشروع استعادة المراعي في السعودية.

تشمل اهتماماته الأخرى:

ركوب الخيل على حصانه العربي (شريف)

تأسيس وتشغيل محطة راديو للهواة

تطبيق الإلكترونيات التجريبية على الجيوفيزياء وعلم الفلك الشمسي والنشاط الإشعاعي الطبيعي.