هذا عرض مقتضب من أحداث وأحاديث طوال حول أثر وتأثير الدكتور سفر الحوالي في التيار الصحوي السعودي، ضمن دراسات وأبحاث كتبتها حول بعض الشخصيات الصحوية السعودية، نشر منها (سلمان العودة والفكر اليباب) في موقع كيوبوست (يوليو 2019)، وسأنشر الباقي -بمشيئة الله- إما في كتاب أو عبر مقالات، متى ما أتيحت الفرصة، والغاية من الكتابة حول هذه المواضيع، هو الرصد والتوثيق، لما ليس له مرجع محدد حتى لا يضيع بين عدم كتابته، أو مع تغطية أصحابه للحقائق، وقلبها من باطل إلى حق.

وحكاية سمعة سفر الحوالي بدأت حينما كان الخليج برمته مشغولًا بكارثة صدام في 1990، وفي معمعة الأحداث وفوضويتها يقرر واعظ وحفنة دراويش في أحد مساجد جدة أنَّ مساندة القوات الصديقة للخليج في رد العدوان الصدامي، إنما هو احتلال مُقَنَّع لبلاد الحرمين، وهكذا تم إطلاق أول قذيفة على جدار اللحمة الوطنية السعودية في أزمة الخليج، وكانت بيد سفر الحوالي وتلاميذه، في جلسة (الأسئلة والأجوبة) على شرحه للعقيدة الطحاوية، وعنونت تلك الجلسة لاحقًا بمطلع الآية الكريمة: (فستذكرون ما أقول لكم)، قبل توزيعها بشكل هائل عبر أشرطة الكاسيت، ثم ألقى بعدها بمدة بسيطة محاضرة صاخبة في الرياض بعنوان: (ففروا إلى الله)، وبعدها توالت الضربات الصحوية عبر الخطب والمحاضرات والكلمات والاجتماعات، والتي خابت وفشلت في نهاية الأمر. كان هذا الخطاب يقود غالبية الرأي العام الشعبي الذي لم يكن مضادًا لتوجه وقرار الدولة فحسب، بل كان مضادًا لرأي كبار المشايخ الذين تتخذهم الصحوة رموزًا لها كابن باز وابن عثيمين، حيث تبين بالدليل الواقعي أنها كانت تترس خلف هذا الأسماء لكسب السمعة والمكانة، ولم يكن ثمة مقاومة من أي نوع تذكر، مع التقدير لجهود بعض المثقفين والإعلاميين وقتها، إلا أن الثبات السياسي وأصالته هو الذي حسم الأمر لمصلحة الوطن في النهاية.

كانت كل الظروف مهيئة لانتشار رأي سفر الحوالي ورفقائه، ولم يكن ثمة فكر إسلامي متسامح قادر على حسم المسألة، وتحييد تلك المشاغبات على الرغم من فتاوى هيئة كبار العلماء، وجهود بعض السلفيين التي نشطت وتعالت بعد انتهاء الأزمة لا أثنائها. لم تكن سمعة سفر الحوالي بالعموم في بداياته نابعة من متانة أو عمق رسالته للماجستير: (العلمانية: نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة)، وإنما بُنيت هذه السمعة في الأساس من شرحه لمتن الطحاوية، وعلى الرغم من كون الطحاوي جرى في تقرير بعض المسائل على خلاف المنهج السلفي، إلا إن المتن كان واسع الانتشار بين طلاب العلم السلفيين والصحويين. الحوالي تلقى تعليمه الابتدائي في القرية المجاورة لقريته «سنان»، في مدرسة الرحمانية بـ«قذانة» وكلاهما من قرى «حوالة» التابعة لمحافظة «بلجرشي» من منطقة «الباحة»، ثم انتقل إلى «بلجرشي» لإتمام دراسته المتوسطة والثانوية -وكانت مرحلة واحدة ممتدة لخمس سنوات كاملة- في معهدها العلمي، ثم إلى «المدينة المنورة» لإكمال بكالوريوس الشريعة في الجامعة الإسلامية، ثم إلى فرع جامعة الملك عبد العزيز في «مكة المكرمة»، قبل تحولها إلى جامعة أم القرى في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة لإكمال مرحلتي الماجستير، والتي كان من ضمن اللجنة المناقشة له فيها الشيخ محمد الغزالي، ثم الدكتوراة، وذلك تحت إشراف محمد قطب في كلتا الرسالتين، والذي كان -أي محمد قطب- كثيرًا ما يتحدث عن الحوالي في جلساته الخاصة إذا ذهب لإلقاء المحاضرات في الجامعات وفروعها، والتي كان يسيطر عليها الإخوان في ذلك الوقت قبل الثمانينيات، حيث لم تتضح بعد جوانب التمايز والمزاحمة بين السرورية والإخوانية، ولم ينشق الراحل حمد الصليفيح بفصيل إخواني خاص مستقل عن مكتب الرياض، وهذا أثناء إعداد الحوالي لرسالته عن العلمانية، والتي ناقشها في مطلع الثمانينيات، وفي عام 1406 ناقش الدكتوراة، وقبل ذلك بسنة كان قد بدأ درسًا في شرح متن الطحاوية، في جدة، وكانت تسجيلاته تصل إلى الرياض والقصيم، بشكل ثابت ومنتظم، ومن هنا عرف جمهور الصحويين سفر الحوالي ابتداءً.

ومع انطلاقة الصحوة بخط متصاعد من عام 1987، بدأت مسألة إنكار المنكرات تتصاعد، ومع وضع الحداثة والحداثيين خصمًا للصحوة الصاعدة، وتهاوي الحداثيين بسرعة أمام المد الصحوي كان لا بد من وجود شماعة متينة لتعليق كوارث الفجور المنتشرة في البلاد بحسب وجهة نظر الصحويين، ومن هنا بدأ إزاحة صنم الحداثة، وإحلال صنم العلمانية لرجمه مجددًا في بطولات ورقية برع الصحويون في تلميعها وتضخيمها، ومن هنا جاءت شهرة الحوالي الخبير بالعلمانية والعلمانيين والعلمنة، وحتى هذه اللحظة (1408/1409) لم تشتهر بعد رسالته العلمانية، ولا يتم تداولها بشكل كبير.

وفي أثناء انتشار آراء وكلمات سفر الحوالي في أزمة الخليج وما بعد أزمة الخليج، بدأ الاهتمام به بشكل أكبر وأكثر، وصار انتشار كتبه ومحاضراته كبيرًا، ومنها مجموعة أشرطة لمناقشة رسالته في الدكتوراة، ومن هنا عرفت رسالته عن العلمانية وبدأت قراءتها بشكل واسع، وصارت المحاضن التربوية الصحوية تحضر منها الدروس والكلمات عن العلمانية في كل أرجاء المملكة. ومن باب الاستطراد: في تلك المرحلة -النصف الثاني من الثمانينيات- كان الجهاد الأفغاني في أوج مراحله، وكانت جماعات الإسلام السياسي تدفع باتجاه أفغانستان، وكان عبدالله عزام يطوف البلدان في عرضها وطولها يدعو لنصرة الأفغان، وجاء عزام إلى مكة في عام (1988 أو1989) وحصل نقاش كبير جدًا أمام مئات الحضور بين الحوالي وعزام في أحد المناسبات الخاصة احتفاء بعزام في مكة، وكان يدور حول رأي سفر الحوالي في مسألة تجنيد الشباب العربي في أفغانستان، حيث كان الحوالي يدعو إلى عدم التعجل ورمي شباب الدعوة فريسة لتناحر القوى الكبرى، وهو ما يؤكده دعاة الصحوة دومًا؛ ألا نضع البيض كله في سلة واحدة، فالوقت لم يحن بعد، وأن الأفغان حتى لو استطاعوا إخراج الروس، فإن أفغانستان ما بعد خروج الروس ستحرص القوى الإقليمية والدولية على جعله بلدًا علمانيًا صرفًا، وكان هذا الحدث من أبرز ما عمق اسم سفر الحوالي لدى الحركيين، وبعدها تبنى فصيل من الصحويون هذا الرأي.