هل لا يزال للمقالة حيز في الإبداع اللغوي؟ هذا السؤال يأتي بسؤال آخر: ما معنى كونها إبداعاً لغوياً؟ وهل ما أكتبه- الآن- يعبر عن هموم المقالة، بعد أن حولت إلى وعاء لنفث الهموم، أو تقييد سالفة، أو تحليل إيديولوجي؟

هل يمكن أن تكون المقالة فناً حين تكون نصاً مضافاً إلى تراكمات الإبداع، لا حبراً للمطالب الشفهية أو التحليلات النموذجية التي وضع عليها- مسبقاً- ختم التاريخ ومكر العقل.

وهذا يجلب سؤال: ما الإبداع؛ والكل يمتح من بئر عميقة تأسست على أن المؤلف ليس إلا أداة للتوليد الـعاد، وهل يسلم بنظرية البئر؟


فإن سلم ما بعد الحداثيين- رواد التناص أو أنبياء إرهاصاته- فما معنى اكتشافهم للبئر، هل هو مجرد مفهوم؟

فإن كان فما معنى انتقاله إلى تطبيقات سياسية؟ أو: ما دور السلطة السياسية في تشكيل مكونات هذه البئر وتحليلها؟

هل نحن أمام كليات لغوية، يدير دفتها الوعي العام نحو مفاهيم العدالة والتقدم الإنساني، أم هي سجون تاريخية ومادية معقودة بممارسات السلطة فحسب؟ إن تشبيه النص ومؤلفه، بالأمومة والأبوة للوليد، هي مقاربة تنقض خيوط الصوف من حيث هي تبرمها، كمثل مقالة أكتب بها نصاً إبداعياً عن انفصال المقالة عن تجلياتي الباطنية.

من هذه المفارقة والتساؤل المقلق، أنتقل إلى المراد من المقالة وعنوانها، وهو كيف تحولت الكتابة الإبداعية- بفعل سلطة ما- إلى أن تكون محاكاة للترجمة؟ فحين نعود إلى لحظة نابليون ولجنته العلمية، فإننا نعيد لحظة نشوء التأطير المركزي للكتابة، إذ أنتجت وعياً سياسياً- لا الوعي بكليته- من حيث إن الكتابة المحررة بين دفتي الصحف الوليدة كانت لضبط الحوادث اليومية في الدواوين، والتعرف على أحكام الأقاليم- كاليمن وسوريا وبعض دول إفريقيا- ومن ثم يكون ما كتب عرضةً لإرساء معنى للحقيقة، يكون قلماً لمحو ما يناقضها.

وهنا ينشأ وعي، له ما يوازيه لفظاً.

وحين ارتحل الفرنسيون، وجاء محمد علي، أصدر صحيفة «الوقائع» المصرية، باللغة التركية في أول أمرها؛ استجابةً لدولة بني عثمان؛ لتكون لسان الحكومة، وترأس إدارتها الطهطاوي، والحديث عن هذه الصحيفة من شقين: شق يعقد أساس نشأة وعي الصحيفة بالحملة النابليونية، إذ إن اسم الوقائع مأخوذ من الفكرة النابليونية في تثبيت الحوادث اليومية التي تجمع في دواوين؛ فيسهل على إثرها تحديد: ما الحقيقة. وشق معقود بشخصية الطهطاوي؛ ذلك الذي أبهرته اللحظة الباريسية فسعى إلى إدخالها إلى معمل وعيه فيلخص منها ما تقبض عليه إرادته= «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، لينتج منها كتباً؛ ككتاب: «أنوار توفيق الجليل، في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل»، العنوان على الطريقة السجعية القديمة، والمضمون على الطريقة السلطانية.

أي أن الطهطاوي كان مزدوجاً بين مفهوم عربي مع ضعف تركيب لغوي، وأداة سلطانية حديثة؛ مما جعل اللغة العربية- في ذاتها- تسيل في صحائف، لضبط الحوادث الغربية بشكل ما، إما بالترجمة المباشرة، أو في نقل المضامين بشكلها البارد.

ونعني بالعربية تلك التي سأل عنها أدونيس قائلاً: «هل يتقن العربي لغته الأم الإتقان الضروري الذي يتيح له أن يبدع بها وفيها».

والإتقان الضروري فسره أدونيس في مكان آخر قائلا: «آويني، احرسيني أيتها الضاد/ الضاد يا لغتي، يا بيتي/ أدليك تميمةً في عنق هذا الوقت/ وأفجر باسمك أهوائي».

ومن هنا أشير إلى معنى للهوية؛ من حيث إن الحرية هي ألا تغتال العربية، ألا تغتال التميمة المعلقة في عنق الوقت؛ إذ لن نستطيع أن نقول إبداعاً حينها، بل ندون بتراكيب متعولمة إبداعات اللغات الأخرى.

في الجانب الآخر لزمن الباشا المصري، ثمة صحافة شامية، تعضدها المفاهيم الدينية، كـ«المجمع الفاتيكان» ثم «البشير»، تصارعت لاحقاً مع الحراك السياسي، فنجد من وصفوا بالوطنيين يؤسسون صحفاً، إلا أن الملاحظ أن أول جريدة وطنية سورية هي «حديقة الأخبار»، لم تستطع إلا أن تكون وعاء للأخبار التي اقتحمت الحياة العربية، ومن ثم كان لسان المقال هو ترجمة للتفكير الفرنسي بنسخته السورية، كمفارقة أن يكون ابن طوبال- بطل رواية ذاكرة الجسد- يقاتل بشراسة ليطرد الفرنسي من الجزائر، ثم يذهب معهم للعيش في باريس.

هو لم يطرد إلا شخص الفرنسي، أما منتجات لغته فهي مرغوبة في لا وعي ابن طوبال.

ومن ثم لم تكن العربية إلا مستهلكة للتفكير المنتج باللغات الأخرى.

ومن هنا أنتقل إلى تأثير هذا السياق في الأدب، إذ الصحافة كانت وعاء لترجمات القصة ابتداءً؛ سواءً كانت القصة بشكلها الأجناسي المعروف، أم ضمنت مسرحية؛ مما يعيد ذاكرة الحوادث اليومية في دواوين الأيام النابليونية، ودواوين الباشا المصري، وهذا يجعل الأجناس الأدبية نمطاً إعلامياً، أي أن القصة- مثلا- المنتزعة من ذاكرة المكان لم تكن ذات وسيلة تكنولوجية لتنفيذ عملية الاتصال، ولما حانت الفرصة عبئت بذاكرة الأماكن الأخرى، مع نمطية وعي معقود بالكتابة العربية، فمما يذكر- هنا- أن محمد جلال ترجم «بول وفرجيني» إلى عنونة سجعية وهي: «الأماني والمنة، في حديث قبول، وورد جنة»، وهذه أولى مراحل العلاقة بين تفكيرين بلغتين، في ظل مأسسة اللغة ومنتوجها من خلال مفهوم الطباعة والصحافة، ومن هنا جاء الاختلاف حول مفهومي الترجمة والتعريب، يقول المنفلوطي في مقدمة رواية (الشاعر): «أطلعني الجندي على تعريبه للرواية عن الفرنسية تعريبا حرفيا، حافظ فيه على الأصل محافظة دقيقة، وطلب مني أن أهذب عباراتها... وقد حافظت على روح الأصل، فلم أتجاوز إلا في حذف جمل لا أهمية لها اضطرتني إليها ضرورة النقل والتحويل واتساق الأغراض والمقاصد» من بعد هذه المرحلة خطت العربية أول خطوة في ممر التراكيب المتعولمة، ومن ثم الدلالات التداولية الهجينة، حتى وصلت إلى أشدها، بأن صار الدليل الوحيد لأصالة الكتابة الإبداعية هو اسم المؤلف، وحتى وصلنا إلى منصات شعارها اللاواعي: أكتب كأنك تترجم.