قال ابن عون: كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل، فسأله عن شيء، فقال القاسم: «لا أحسنه». فجعل الرجل يقول: إني دُفِعْتُ إليك، لا أعرف غيرك فقال القاسم: «لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه». فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الْزَمْها فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: «والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به».

هذا ما قاله التابعي الجليل القاسم بن محمد والذي هو أحد رواة الحديث، وأحد الفقهاء السبعة، قاله جوابًا لسؤال ورد إليه، وهو بهذا على سنن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يتدافعون الفتيا، فعن عبدالرحمن بْن أَبِي لَيْلَى قال: أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مَا فِيهِمْ أَحَدٌ يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ إِلا أَحَبَّ أَنْ يَكْفِيَهُ صَاحِبُهُ الْفُتْيَا.

واليوم بحمد الله فإن علماءنا الراسخين على طريقة السلف الصالحين، يتدافعون الفتيا، كل يود أن أخاه كفاه، فحريٌ بأئمة المساجد وطلبة العلم والكتاب والإعلاميين أن يتأسوا بهم من جهة عدم الجرأة على الفتوى، لأن الفتوى في القضايا العامة، لا سيما في هذا الوقت الذي تنتشر فيه من خلال التويتر وغيره، وتطوف عدة دول بضغطة زر، ربما تسبب فتنا وشرا، وربما يكون المتكلم لم يحط خُبرا بما تكلم فيه من كل الجوانب ولم يعلم الحقيقة، وحتى لو علمها، فما كل ما يُعلَم يًقال، والعافية لا يعدلها شيء.

ومعلوم أن الفتوى ليست محلا للوجاهة والمباهاة، ولا لمطامع الدنيا ولفت الأنظار، إنها دين ومسؤولية.

وقد جاء في الأمر الملكي بشأن الفتوى ما يلي: (ولأن كان عصرنا هو عصر المؤسسات لتنظيم شؤون الدنيا في إطار المصالح المرسلة، فالدين أولى وأحرى في إطار مصالحه المعتبرة. إن تباين أقوال أهل العلم يتعين أن يكون في نطاق هيئاتهم ومجامعهم العلمية والفقهية، ولا يخرج للناس ما يفتنهم في دينهم، ويشككهم في علمائهم، فالنفوس ضعيفة والشبه خطافه، والمغرض يترقب، وفي هذا من الخطورة ما ندرك أبعاده، وأثره السيئ على المدى القريب والبعيد على ديننا ومجتمعنا وأمننا. إننا بحمد الله أسعد ما نكون بالحق، فلا نعرف الرجال إلا به، ونفرق بين سعة الشريعة وفوضى القيل والقال، وبين اختلاف أقوال أهل العلم فيما بينهم، على هدي الشريعة، وسمت علماء الإسلام، وبين منازعة غيرهم لهم، والتجاوز على حرمة الشرع، كما نفرق بين مسائل الدين التي تكون بين المرء وربه في عبادته ومعاملته، ليعمل فيها ـ في خاصة نفسه ـ بما يدين الله به، دون إثارة أو تشويش، وبين الشأن العام مما لا يسعه الخوض فيه بما يخالف ما تم حسمه بآلته الشرعية التي تستند على أقوال أهل العلم بالدليل والتعليل... وقد ترك بعض الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بعض آرائهم الفقهية؛ من أجل اجتماع الكلمة، وأن الخلاف شر وفتنة. ويدخل في معنى تلك التجاوزات ما يحصل من البعض من اجتهادات فردية، يتخطى بها اختصاص أجهزة الدولة.. وترتيبًا على ما سبق، وأداء للواجب الشرعي والوطني، نرغب إلى سماحتكم قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء، والرفع لنا عمن تجدون فيهم الكفاية والأهلية التامة للاضطلاع بمهام الفتوى للإذن لهم بذلك، في مشمول اختيارنا لرئاسة وعضوية هيئة كبار العلماء، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ومن نأذن لهم بالفتوى.. وكل من يتجاوز هذا الترتيب فسيعرض نفسه للمحاسبة والجزاء الشرعي الرادع، كائنًا من كان؛ فمصلحة الدين والوطن فوق كل اعتبار).