لم يكن قادة حزب إيران في لبنان ولا مرة في السنوات الماضية، في حاجة إلى الخروج على الناس وقول ما عندهم في شأن أي قضية أساسية أو فرعية، محلية أو إقليمية، كبيرة أو صغيرة، باعتبار أن ذلك التبليغ لا يزيد الأغيار إلا قناعة بأحكامهم الأولى.

وهذه تفيد بأن جماعة ذلك الحزب لا يهتمون من قريب أو من بعيد بأي آخر خارج منظومتهم السياسية والعقيدية، ولا يأخذون في اعتبارهم الشأن العام طالما أن ذلك يخصهم ويخص غيرهم، بل يقررون ما يناسبهم، ونقطة عند آخر السطر!

أما الباقي فليس سوى تفاصيل هامشية لا وزن لهان. بالأمس وقبل الأمس أعلن أكثر من مسؤول في ذلك الحزب مرارا وتكرارا أن الرهان على الانتخابات النيابية اللبنانية لمحاولة «تغيير المعادلة» القائمة في لبنان هو رهان خاسر، يشبه الرهان على «الحروب العسكرية» أو العقوبات المالية والاقتصادية والدبلوماسية والسياسية؛ باعتبار أن «المقاومة» غير معنية بذلك كله، ولا يؤثر فيها وفي سلوكها وأهدافها.


وليس أصحّ من ذلك قولا! ولا «أبلغ» منه للدلالة على صواب اتهام الجماعة الحزبية اللبنانية الهوية، الإيرانية التبعية، بأخذ لبنان وأهله رهينة قرارها وسلاحها، وتجيير كل مقومات بلاد الأرز لخدمة أجندة صاحب الشأن في طهران، ولا شيء بالفعل يؤثر في ذلك المسار برغم كل المصائب التي حصلت والانهيارات التي تمت أو تكاد، والهريان الذي ضرب في كل عصب في جسم الجمهورية ودولتها ومؤسساتها وناسها في الإجمال!

وسردية العدم تلك يأخذها حزب إيران على قياسه واستنادا إلى مخزونه: كل دعوة له إلى إيثار المصلحة الوطنية اللبنانية العليا يعتبرها عمالة صافية، لكنه يقول بالمليان إنه جزء من الجسم الإيراني، وكل وجوده يستند إلى ذلك المدد!

وعندما يقال له إن الانتخابات النيابية مثلا هي إحدى الطرق المفضية إلى إنتاج تغيير في السلطة التنفيذية يردّ باتهام المبشرين بذلك بأنهم أتباع سفارات أجنبية وإقليمية، وممتشقي أجندات تخدم «الأعداء»..

وإذا قيل له إن «المقاومة» يفترض أن تكون باتجاه إسرائيل وليس باتجاه اليمن أو السعودية أو الإمارات العربية المتحدة أو العراق أو الشعب السوري، يرد باتهام صاحب القول بالارتباط بقوى تزيد رأس تلك «المقاومة»!!

وإذا قيل له إن سياسته الاستلحاقية بالمشروع الإيراني دمّرت علاقات لبنان مع محيطه العربي، يردّ بتصعيد وتيرة العنف اللفظي في لبنان والعملي (العسكري) في خارجه، ووفق مقتضيات القرار الإيراني!

وإذا قيل له إن لبنان جزء لا يتجزأ من محيطه العربي يذهب إلى تسعير القول واتهام ذلك المحيط (من دون تمييز!) بأنه أمريكي العروبة!

وإذا قيل له إن «أهدافه» على مدى السنوات الماضيات، من شعب سورية إلى شعب اليمن إلى شعوب الخليج العربي هم مسلمون بداية ونهاية، يرد ّبتكبير أحجاره اللغوية مرارا وتكرارا من خلال اتهام هؤلاء أيضا بأنهم «مسلمو أميركا»!

أو بالإكثار من اعتماد سرديته المذهبية للدلالة على الاختلاف الذي يبرر الخلاف!

وإذا قيل له إن لبنان انهار وشعبه جاع وليرته صارت بلا قيمة، يردّ بالقول إن ذلك هو نتيجة «التآمر» على «المقاومة»! بل ويذهب أبعد بقليل من ذلك ليقول إن هذه «المقاومة» أهم من لبنان! وأبقى!

وإن الأساس في رأيه وعرفه هو المحافظة عليها وليس على الدولة اللبنانية! وعلى عناصرها وليس على اللبنانيين! وعلى دورها وليس على دور الكيان الوطني! ومخزونه من التهم الجاهزة لكل مختلف لا يكاد يعوّف مفردة واحدة من مفردات التخوين والعمالة وما انسلّ منهما وتفرع عنهما!

لا يعترف بخطأ ولا خطيئة! بل يسترسل في الأداء وكأن الدنيا بألف خير! وهذا منهج ذاتي تلقائي وطبيعي عنده، باعتبار أن قياساته ذاتية أنوية خالصة: البلد منهار لكن «المقاومة» في أحسن حالاتها! الدولة صارت حطاما لكن «المشروع الإيراني» منتعش ويسعى! المصائب تتهاطل كالسيل على العرب والمسلمين لكن إيران «زادت اقتدارا ومنعة»!!

سورية الواحدة صارت من التاريخ والجغرافيا لكن «المؤامرة الكونية» على النظام انهزمت!

مات المريض لكن العملية الجراحية نجحت! وعلى ذلك القياس يستمر القول والفعل ويتكرر التأكيد بأن ذلك الحزب غير معني بأي شأن وطني أو عربي أو إسلامي خارج منطوقه وارتباطه بالأجندة الإيرانية، وخارج مسار ومصير الإستراتيجية التي وضعها مؤسسو «الجمهورية الإسلامية»، والهادفة إلى لعب أدوار قطبية ومحورية محاكية لأدوار كانت ذات يوم في تاريخ ماض وسحيق.

* ينشر بالتزامن مع موقع لبنان الكبير.