ولما رأى الأعشى الناجودَ والناجود هو إناء الشراب، أصله من النَجْد، والنَجدُ هو العلو من الأرض؛ ومن هنا سُميت نجدٌ نجدا، تذكَّر تاريخَ نجدٍ، وتذكَّر ما صنعَهُ لعينيْ وطنه وبحوره وأنهاره؛ تذكَّرَ البحورَ القِصار كبحرِ المتقارب؛ الذي يُلائم ما يَفعله الخمرُ بصاحبه في مَمَراتِ منفوحة والرياض، حينَ يُركِبه المُتقاربُ في قاربِ الحياة ويسير به نحو جنان الرياض، لما كانت تُغني لِشُربِ الأعشى فينظمُ حَزْنها على بحر البسيط، يَتناجى حوله المتنادمون: (ما روضة من رياض الحَزْن معشبةٌ/ خضراءُ جادَ عليها مُسبل هَطِلُ. يُضاحك الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقُ/ مؤَزَّرٌ بعميمِ النبتِ مُكْتَهِل. يومًا بأطيب منها نَشْرَ رائحةٍ/ ولا بأحسن منها إذ دنا الأصلُ). ثُمَّ أفصحَ الأعشى لي بِسِرٍّ يحومُ حولَ معاني شُربِه، وعلاقتها بالسؤالِ الفلسفي كيف نعيش؟ أو كيف نحقق الغاية القصوى من الحياة؟ حين قال: (وكأس شربتُ على لذةٍ/ وأخرى تداويتُ منها بها. لكي يعلم الناسُ أني امرؤ/ أتيتُ المعيشة من بابها). إذ هذا القولُ يَستخدم الشُربَ كذريعةٍ لتخليصِ الإنسان من آلامه؛ ومن ثم يُحقق السعادةَ باللذة المطلقة؛ إذ معرفة الإنسانِ نشأت من جَراء انعكاساتٍ لغوية؛ فتشكَّل على إثر ذلك، طريقان، عالم مُثُلٍ مفارق للطبيعي، علاقته مع العقل علاقة انعكاس صوري، وعالم يأتي من العقل؛ كتجوهرٍ داخلي؛ وفي كلا الطريقين نجد العقلَ تحكمه اللغة؛ إذ الفلسفة- أم العلوم- معقودة بأمها اللغة، ومن هنا كانت اللغةُ سَببًا لشقاءِ الإنسانِ وطُمأنينته في آنٍ واحد؛ لأنَّ اللغةَ قَسَّمت الماهيةَ إلى ثنائية روح وجسد، فنجد سُقراط يَعقد مآلات اللغة لديه بخلود الروح، والراحة العليا، ومن ثمَّ تَقَدّم إلى إفناءِ الجسد من خلال تجرّع السُمّ بطمأنينة، أما أرسطو فهو من جَوهرَ الكليات في العقلِ ذاته؛ ولهذا فإنَّ كيفية العيش ليست بالطريقة السقراطية، بل بالعيش لصالح العقلِ نفسه، من خلال محاكاة المحرك الأول، ومن ثَمَّ صَنع أرسطو الأسلوبَ الحجاجي، ومن خلالِ نَمطه التحليلي أزال الأبيقوريون الخوفَ من الآلهة والعقاب الأخروي، أي: لِمَ الخوفُ من العقاب الأخروي؟ والآلهةُ -بكمالها المطلق- يمتنع عليها عَقلا أن تُراقب البشر؟ لكنَّ الإنسانَ سواءً مال إلى الأفلاطونية أم الأرسطية، فإنَّ الخوف متوطِّن لديه، ومن ثمَّ فسعادته ناقصة، إذ الأفلاطونية أحالته إلى المعاني العليا، فجعلته يبتكر وسيطًا بينه وبين هذه المثل، تمثلت في ديانات عدة، أما الأرسطية فإنَّ حجاجها يردُّ العقلَ إلى مبادئ تفسيرية لما نحن عليه واقعيًّا، ومن ثَمَّ تأخذُ النفسَ إلى سؤالٍ عن مصدر هذا المبدأ؟ ومن ثمَّ لجأ الإنسانُ إلى تحريم الملذات على نفسه استجابةً لأصداءِ الخوف في ذاته من الآلهة والعقاب الأخروي، فيأتي هنا الأعشى، ليقول إنَّ الغايةَ القصوى هي السعادة، وتحقيق السعادة يأتي عن طريق اللذة، واللذة لا تكون مطلقة إلا بالشرب؛ حيث إنَّ الجزئيات تتحول إلى كليات مرئية، أي أنَّ الشربَ يُحوِّل شكوكنا الأزلية ومخاوفنا إلى يقينٍ لحظي، وبمعنى آخر يحول النسبي إلى مُطلقٍ مؤقت، فالأعشى-أولا- يَنصُّ على (المعيشة) وليس شيئا غيرها، أي أن يكون هدفُك العيشَ لذاته، ولا يُحقق هذا الهدف إلا الشرب. وهو-ثانيًا- نَصَّ على أمرٍ مهم وهو إذا افترضنا وجود ثنائية الروح والجسد، فإنَّ الكأسَ يوحد بينها، وكأننا نستحضر العقلَ المطلق عند هيجل، حين قال إنَّ الطبيعة نفسها تُصبح مظهرًا من مظاهر تطور العقل عبر التاريخ. وأمَّا الأعشى فسيكون قوله هو أنَّ الطبيعة تصبح مظهرا من مظاهر تصورنا اللحظي أثناء الشرب، وكأنَّ الكأسَ هو الشيء المــُركّز عليه، ومن ثَم تحويله إلى ظاهرة تُعبّر عن ماهية وجودنا. ومن هنا يكون الكأسُ على اللذة من نصيبِ الروح، والكأس الأخرى-التي هي للتداوي- من نصيب الجسد، وحين يجتمع الكأسان لا يكون ثمةَ إلا شيء واحد -حلَّ محل تاريخنا/ حياتنا التي تؤلمنا- يسمو بنا إلى سماوات السعادة، وهذا معنى أن تكون السعادة مطلقة؛ ومن ثمَّ فإنَّ الواقع السعيد يتحقق عبر لذة الكأسين/التاريخ المُعاش.