الإشكالية في أن أولئك الأشخاص لن يترددوا في التخلي عن أي خطوة مالية مقدمة لهم، وفي الإطار ذاته يستكثرون على الآخرين أن يجعلوا المعيار المالي، أساس تعاملهم أو المحدد الرئيس لاتخاذ قراراتهم، خاصة فيما يتعلق بالمجال الرياضي أو الفني المرتبط بجمهور عاطفي، فتظهر العبارات مثل «الخائن باع النادي، ما احترم جمهوره يزايد على النادي» !. موضوع صراع المال والولاء تصاعد في الألفية الأخيرة، فالمغريات المادية في تزايد، مقابل الصراع الداخلي والنفسي على الولاء والوفاء والانتماء لأناس عاشرتهم ومكان عشت فيه، وبيئة قضيت وقتا طويلا فيها، فمن ينتصر؟.
المال عصب الحياة، وهو ما يجعل الشخص قادرا على العيش في حياة كريمة، وهي السبب ذاته الذي قد يجعل الأشخاص يضعون أنفسهم في دائرة المخاطرة والتضحية بأي جانب من أجل تحسين الوضع المعيشي، ورفع مصدر الدخل له ولمن حوله.
فالعبارات الإنشائية التي دائما تردد (الولاء الوظيفي /حب المكان/ الانتماء لجهة عمل)، جميعها عبارات جميلة ويجب تعزيزها، ولكن يسبقها جذور من التقدير والاحترام، وتقديم الامتيازات التي تجعل من أي شخص يزيد وفاؤه وولاؤه لمكانه.
فلسفة الولاء وعلاقة الإنسان ببيئته، تأتي من العطاء، حتى في الصحراء نمتن لصحراء قاحلة احتوتنا في عز الضياع النفسي، وجدنا ما يروي جانبا بداخلنا، إما الهدوء، أو العزلة الإيجابية، أو الصفاء الذهني. ولكن قد تكون تلك الصحراء نفسها، منفرة، كالحة، تكسوها ملامح شح وبخل، لا ماء فيها ولا نبات، لمن يبحث فيها عن ارتواء وأساسيات للبقاء على قيد الحياة.
الكل في هذه الحياة يبحث عن مصلحته بناء على أولوياته، وبالتالي فإن سلطة المال في الغالب على رأس تلك الأولويات، فهي ما يحكم العلاقات بين المتعاقدين، ثم إن أشبعت هذه الحاجة، يأتي البحث عن التطور في المناصب والأماكن الأفضل وهكذا. وكل ما يتردد حول الولاء وضرورة البقاء، يأتينا على شكل نصائح من أناس إما لم تأتهم فرص للانتقال للأفضل، أو أشخاص نعزي فيهم الطموح بحرقة. فمن يحفزك للبقاء ومن يحثك على الرحيل، كلهم نصحوك من زاوية أولوياتهم هم، وليست أولوياتك أنت.
يقول جبران خليل جبران: أحدهم يخلق الأعذار ليبتعد، والآخر يخلق الوهم ليبقى.