وكثير من الأحيان يكون التقدم والتحديث بالتبسيط، فالتقدم لا يعني كليا ودائما زيادة الإجراءات أو زيادة القوانين.
إن أفضل وأعلم المسؤولين من يستطيع تسهيل الأمور، وجعلها عملية ومرنة، وفي الوقت نفسه تؤدي الغرض الذي وضعت من أجله.
مسألة التعقيد، وزيادة الأنظمة والاحترازات والشروط، كل واحد يقدر عليها، لكن المسؤول الحكيم من يزن الأمور، ويجعلها لا إفراط أو تفريط، وهنا تتجلى الحكمة والخبرة!. نلاحظ بعض الجهات بدأت جولات من زيادة الاشتراطات والأنظمة، وتدعي أنه من أجل الرؤية، بينما جوهر الرؤية هو التقدم والتطور وخدمة الناس، وليس زيادة أنظمة. إذا وضعت أنظمة لبعض الأمور، فالهدف ليس النظام نفسه، ولكن لكي يساعد في تطور البلد وخدمة أهلها.
حتى لا أتكلم من برج عاجي، كما يقول البعض عن الكتاب، وحتى لا أدوخ القارئ بنظريات الإدارة، وحتى لا نتكلم عن موضوعات تثير القلق والتعقيد، وبما أننا نتكلم عن البساطة وتسهيل الأمور، كما بدأنا هذا المقال، دعونا نأخذ مثالا عمليا ومبسطا يعرفه الجميع. لو سألتني عن شيء بسيط مميز لدينا في البلد، وتتمنى يبقى على تميزه رغم بساطته، أقول لك: ربما زرت عشرات من دول العالم من شرقها إلى غربها ولعقود، ولم أجد أكثر سهولة وعملية وبساطة وتميزا من محلات كي الملابس والحلاقين في المملكة.
يا عزيزي قد لا تشعر بتميز الخدمة في هذين المجالين، لكن أؤكد لك لو تجرب في بعض دول العالم سترى الفرق الشاسع، فعندما تأخذ ملابسك للكي كأنك تكتب معاملة وموعدا و موعدا آخر للتسلم. أما الحلاقون، فمواعيدهم أصعب من طلب موعد طبيب.
هذا غير أن هاتين الخدمتين تكلفان مبالغ باهظة جدا مقارنة بالمملكة. على أيامنا في الديرة كان الكي تعطيه الثوب وتأخذ لفة إلا هو جاهز!. منتهى العملية والبساطة والسعر القليل.
أما الحلاقون، فصراحة من أكثر الدول التي ترتاح فيها بالحلاقة ربما السعودية. الحلاق تأتيه بموعد أو بدونه، يهتم بك كأنه ما عنده غيرك، ويسليك بسوالفه، وش ما تطلب منه من تعديلات، صدره وسيع، بينما بعض الحلاقين في بعض الدول الأخرى تحسه جراح أعصاب (لا يزعل الزملاء جراحين الأعصاب)، وليس تقليلا من مهنة الحلاقة، لكن تجده حلاقا مزاجيا، وما يحب أحد يتدخل باختياره، وبالعامية «نفسية»، وبين كل حلاقة وأخرى، يأخذ وقتا مستقطعا، حتى يسترجع قواه الروحية والإبداعية، تحسبه بيكاسو يرسم، وليس حلاقا!، ولا يأخذ إلا عددا معينا في اليوم علشان ما يتعب ذهنه، وأسعار الحلاقة باهظة. هذا لو يشوف ليلة العيد الحلاقين عندنا بالبلد، كيف يبدعون بعشرات الرؤوس والوجه في كم ساعة والكل مبتسم.
لسنا نطالب بعدم سن القوانين وتنظيم المهن، لكن دائما اجعلوا البساطة والتيسير عنوانا، فالوصول للخدمة وبسهولة في كثير من الأحيان أفضل من تقنين الخدمة وتعقيد متطلباتها، وإن كان على الجودة، فزيادة العدد والتنافس كفيل برفع الجودة، لكن كل ما زادت اللوائح كل ما قلت أعداد الخدمة، وكلما قل الوصول وتصعب الوضع وزادت التكلفة. لا يعرف المستهلك الوقت والجهد والمال الذي يبذله الشخص للوصول لهاتين الخدمتين مثلا إلا من عاش خارج البلد!، بينما تستطيع أن تبذل هذا الجهد والوقت في أمور أكثر أهمية وإنتاجية.
قد يبدو الموضوع ليس بذي أهمية للبعض، لكن هو مثال للتوضيح. ودون شك إذا تم تعقيد الأمور البسيطة مثل هذا الخدمات، سيمتد الأمر إلى الأمور الأخرى الأكثر أهمية، وتصبح الشروط مكبلة ومحجمة أكثر مما تكون تنظيمية، وهي سلسلة قد تمتد لبقية الاقتصاد والخدمات.
لذلك أدعو الوزارات والجهات الحكومية المنظمة للعمل التجاري أو غيره إلى الأخذ دائما بما لدينا من بساطة وتميز، والاستمرار فيه، وإن كان ولا بد، فوضع بعض القوانين المبسطة، لتحسين الأداء، وصلى الله وبارك. وهذا المثال ينطبق على بقية خدمات وقوانين الجهات الحكومية، سواء الخدمات الأساسية أو المهمة للمواطن، ومهما تكن الخدمة، سواء تعليما أو صحة أو أيا كانت الخدمة أو المجال. اجعلوا البساطة والتيسير شعاركم، فلا يوجد أقوى وأكثر عمليا من البساطة.