عجت شبكات التواصل الاجتماعي بلغة ساخرة على خبر مفاده أن نادي النصر السعودي استعان بطبيب نفسي قبل موقعته أمام شقيقه نادي الهلال في منافسات كأس الملك. حيث جاءت معظم التعليقات ما لم يكن جميعها، في زاوية تهكمية على هذه الخطوة، وأن النصر وصل لمرحلة الرعب من منافسه!

الحديث هنا أكبر من قضية أصفر وأزرق ومسببات إقدام النصر على الاستعانة بذلك المختص النفسي والذي سبقه به غيره من الأندية بما فيها الهلال والأهلي والكثير من الأندية العالمية، فالغريب في الموضوع هنا هي صدمة الوعي المجتمعية بفكرة الطبيب النفسي.

فكان الاعتقاد السائد أننا ونحن في العام 2022 قد تجاوزنا النظرة المريبة لفكرة الذهاب أو مراجعة طبيب نفسي، بل كنت شخصيًا أظن أنها أصبحت من الماضي، وأن الكثيرين أصبحوا أكثر وعيًا بأهميته، وأنه طبيب شأنه شأن بقية الأطباء الذين تتم مراجعتهم لأي عارض صحي آخر، وبالتالي فإن زيارته والمتابعة معه لا تحمل أي انتقاص من الشخص المصاب.


الكثير ومع الأسف من المشاركين في وسم النصر، يستعين بطبيب نفسي، والمتندرون على تلك الخطوة يحملون كفاءات دراسية عالية، والبعض منهم يفترض بحكم موقعه ومستواه التعليمي أن يكونوا قدوة للنشء، غير أنهم انكشفوا مع الواقع. ومن ثم فإنه قد يكون عدد من المشاركين في هذا الوسم والسخرية الجماعية، هم بالأساس يتابعون ويراجعون أطباء نفسيين، أو على الأقل يعرفون أحدًا مختصًا في هذا العلم ويدرسه.

وبالتالي نحن أمام زاوية -مع الأسف- تتكرر في مجالات مختلفة، نظهر ما لا نبطن، ونعيش تناقضات تحت مبدأ تيار الأغلبية.

قد تكون الأجواء الرياضية العاطفية المشحونة، هي ما حفزهم على استخدام هذه اللغة تجاه الاستعانة بطبيب نفسي. ولكن على وجه العموم الاستعانة بالطبيب النفسي، لا بد وأن تصاحبها حملات توعية أكبر وأكثر شمولية.

بل لا بد أن تكون هناك اختبارات طبية نفسية تسبق بعض الأمور مثل الزواج. فكم شاهدنا من حالات تعذيب وتعنيف بسبب أن أحد الزوجين يعاني من أمراض نفسية صعبة، كما هو الحال في المجتمع الوظيفي. كذلك لا بد أن تكون هناك اختبارات بالمعايير نفسها، قبل توقيع العقد الوظيفي، فنجد كثيرًا من الممارسات الوظيفية السلبية صادرة من منطلق معاناة الموظف من اضطرابات نفسية.

الفحوصات الطبية النفسية لا تقل أهمية عن بقية الفحوصات الطبية الأخرى إن لم تكن من أهمها، لأن أوجاع الأمراض النفسية مكتومة وألمها غير مسموع، تتسرب لدواخلنا خلسة ثم تجعلنا نذبل، وهو ما يجدر بنا الاهتمام أكثر بالجانب النفسي، وضرورة تفعيل التوعية بذلك، بل من آلمهم الوقوف في وجه جميع من يجعل هذه الموضوع مادة للسخرية على المصابين أو المراجعين للمرضى النفسيين، لأننا لو بقينا في الخندق ذاته، لتحرج الكثيرون من الإقدام على تلك الخطوة، ولتزايد عدد المصابين بالاضطرابات النفسية، دون الوصول لحلول حقيقية وفعالة.

يقول عالم النفس ليف فيجوتسكي: لا يمكن فهم العقل دون ثقافة ووعي.