وقد كان لها صالون أدبی مشهور يجتمع فيه كل ثلاثاء أعلام أهل الفكر والأدب في ذلك الوقت من أمثال لطفي السيد وخليل مطران وطه حسين والعقاد وغيرهم. وكانت هي بينهم على جانب كبير من الكياسة والجمال، مما جعل الجميع يتفاني في الظفر بمراضاتها والتحبب إليها، ولكن قلبها كما كان يقال وقتذاك لم يشغل بواحد من هؤلاء.
وقد قيل إن ذلك القلب لم يخفق إلا لرجل واحد وهو جبران خليل جبران - والله أعلم-. أما ثقافتها فقد كانت واسعة وعميقة إلى حد يثير الإعجاب، بل يثير الدهشة ولقد ادهشني حقًا في رسالتها هذه عندما ذكرت «بیراندللو» وهي في صدد الكلام عنى. فعلى كثرة ما كتب هؤلاء الكتاب المشاهير عن «أهل الكهف»، لم يستطع واحد من هؤلاء أن يكتشف الصلة الفكرية والفنية التي تربطني بهذا المؤلف الايطالي، ولا حاجة بي الى الأطناب.
فرسالتها وحدها كافية للمتمعن أن يرى فيها الأسلوب البليغ والتحليل العميق والتفكير الرفيع والفن الجميل حتى في خطها الأنيق.
ومما يسترعي الالتفات إشارتها إلى خصومتي مع الدكتور طه حسين في ذلك الوقت. فلقد كانت صداقتنا فيما يبدو غير قابلة لخصومة ولكن يبدو أني كنت قد جرحت احساس طه حسين يومئذ من حيث لا أقصد.
فلقد كانت هواية طه حسين أن يكتب المقدمات للكتب التي تصدر خاصة إذا كانت لأصحاب المكانة أو الأهمية في نظره. فقد كتب مقدمة لديوان «الخليل» للشاعر الكبير خليل مطران ولكتاب «المرأة» لعبد العزيز البشرى ولكتاب «فجر الإسلام» لأحمد أمين وغيرهم، حتى ممن كانوا أكبر منه سنًا وأقدم مكانة مثل خليل مطران الذي في سن أستاذه لطفی السيد.
فلما صدرت الطبعة الثانية من «أهل الكهف» أقترح أن يقدم لها، فلم أتحمس لذلك في نفسي لأني أكره المقدمات، وقد نشرت الطبعة الأولى بغير تقديم.
ولكني أظهرت الموافقة والرضا وأن كنت لم أهتم بعد ذلك بالأمر. وقد ذكر ذلك في فصل أدبی نشره في كتابه «فصول في الأدب والنقد» إذ كتب يقول: «ونتحدث عن أهل الكهف وعن طبعة ثانية تذاع بين الناس، فأقترح أنا أن أقدمها إلى الجمهور ويظهر الأستاذ وأصدقاؤنا الرضا بذلك والابتهاج له ثم يلقى الستار ويرفع ، وقد تمت الطبعة الثانية من أهل الكهف وأبطأت أنا بالمقدمة أسبوعين أو نحو أسبوعين فينشر الكتاب بغير مقدمة، وبغير أن يتحدث إلى أحد في ذلك، فيسوءنی ذلك بعض الشيء..».
ولكن الظاهر أن الحساسية عند طه حسين كانت تضخم له هذه الأشياء وأمثالها مما كان يتراكم في نفسه دون أن يظهره، إلى حد تصور فيه أني أسيء إليه عمدًا لدوافع سياسية، تحت ضغط من وزارة المعارف التي كان على خصومة مع وزيرها، وكان له الحق في هذا التصور والظن لما كان يلاحظ في ذلك العهد من تقلب الأدباء السياسي.
فقد كان طه حسين نفسه ممن نشأوا في أحضان حزب الأحرار الدستوريين وهاجم سعد زغلول، وبعد ذلك انتقل إلى حزب الملك فؤاد أي حزب الاتحاد، ورأس تحرير جريدة الملك وكان سكرتير تحريرها المازني، ثم انتقل أخيرًا إلى حزب الوفد ومدح مصطفى النحاس إلى أن صار وزيرًا وفديا، فلا عجب إذن أن يظن بي طه حسين الظنون، ولذلك بادرت أعلن أن أكبر سلطة في الدولة لا تستطيع أن تفسد الصداقة التي بيننا وصافيته.
وإن كان أهل الحسد كما كان يقول يحاولون دائمًا إفساد الصداقات، ومع ذلك فهذه الحساسية كانت دائمًا مصدر متاعب.
ولا أنسى كلمة لصديق الطرفين أحمد أمين كان دائمًا يرددها عن طه حسين قائلًا لي «إن صداقته متعبة وعداوته متعبة».
ذلك أن علاقتي بطه حسين كانت من نوع علاقته بأحمــد أمين، لم تكن مجرد علاقة ناقد مدح كاتبًا. فما أكثر ما مدح طه حسين وأشاد بكتب وكتَّاب من جميع الأعمار ولكنها كانت علاقة صداقة أدبية وشخصية ومشاركة، كما حدث مع أحمد أمين، كان ظهور أحمد أمين بكتابه الأول «فجر الإسلام»، في الوقت نفسه والعام الذي ظهر فيه كتابي الأول «أهل الكهف»، وإن كان كتابه هو قد صدر بتقديم من طه حسين. ولقد تعرضت أيضًا صداقته بطه حسين لمثل ما تعرضت صداقتي به كذلك من لحظات صفاء ولحظات غيوم، ولعل هذا هو الشأن في كل صداقة...
أما عن حفلة التكريم التي كان يراد أن تقام لي، كما أشارت إلى ذلك «مي»، في رسالتها فقد كان لابد أن أعتذر عن عدم قبولها، لأن هذه طبيعتي، ومن العجيب إني بقيت على هذه الطبيعة حتى اليوم. 1946*
* أديب وكاتب مصري «1898-1987».