لطالما رمينا بكل ثقل عقولنا على تطبيق خرائط قوقل، في أي وجهة نريد الذهاب لها لعدة اعتبارات. إما لجهلنا بالمكان المقصود، أو لرغبتنا في التعرف على المسافة الزمنية، أو للبحث عن أسهل الطرق وأكثرها اختصارًا تجنبًا للزحمة المرورية. الأمر الذي أصبح مع مرور الوقت عادة وإدمانا.

وكما يردد الصوت الذي يخرج من التطبيق بقوله «الاتجاه نحو الطريق المنحدرة»، فإن الوقائع والشواهد والمواقف كثيرة بأن الطرق أو الأماكن التي بات يلزمنا بها الشيخ «قوقل ماب» أصبحت غير دقيقة، وينتهي بنا المطاف إلى تلك الطريق المنحدرة.

أخطاء التطبيق المتكررة أصبحت تزداد مع ازدياد التعلق به والتعود عليه أكثر. ومسحنا من ذاكرتنا -من خلال اعتمادنا عليه- المعلومات الموجودة في عقولنا بحجة أن التطبيق كفيل بمعالجة إشكالية الذاكرة، وحينما طفت على السطح أخطاؤه التي ترمي بك في منتصف صحراء أو في منطقة نائية، لم تعد عقولنا قادرة على التذكر كما كنا في السابق.


إشكالية تطبيق قوقل ماب وعدم دقته، تقودنا لمشكلة أكبر بكثير من كونه طريقا أو موقعا خاطئا. الحديث هنا أن التطبيقات الذكية في طريقها لتغييب الكثير من المهارات التي كنا نملكها، من قوة ذاكرة وقدرة عالية على الحساب بشكل سريع، وتذكر الأرقام وحفظها.

كل هذا ونحن لم نتحدث بعد عن الذكاء الصناعي وإنترنت الأشياء، فحديثنا هنا عن استخدامنا السطحي لتلك التطبيقات فقط.

الجيل السابق من الآباء والأجداد قدرتهم على الحفظ وتحديدًا ما يخص الأرقام، أعلى بكثير من الجيل الحالي. فتجد ذلك الجيل قادر على حفظ أرقام هواتف أقاربه وزملاء عمله وجيرانه، وحتى أحيانًا أرقام متاجر يرتادها دون الحاجة إلى تدوين تلك الأرقام في مذكرة.

أما اليوم فمن شبه المستحيل حفظ الأرقام، بل إن الهواتف الذكية صارت ملاذا لأرقام أخرى خاصة وسرية، لدرجة أن الكثيرين يستعينون بهواتفهم لتذكر الرقم السري للبنك أو اسم المستخدم الخاص به في مجال عمله، فمن منا اليوم يحفظ رقم أحد من أقاربه؟ وهنا أقصد أقارب الدرجة الأولى.

كل هذا يجعلنا نتنبأ بأن المستقبل القريب يحمل في طياته العديد من التقنيات التي تجعلنا نغيب العقل تمامًا، وبسبب اتكالنا واعتمادنا الكلي على تلك التطبيقات فإن العديد من المهام المنوطة بالعقل ستضعف بلا شك. فبعض الدراسات تشير إلى أن تأثير استخدام هذه التطبيقات يغيب العقل كما تفعل الكحوليات!

حتى ذكرياتنا ولحظاتنا السعيدة أصبحت سجينة داخل تلك الأجهزة، فهي من تذكرنا بذكرى الميلاد أو الزواج مثلا. فلم يعد لدينا صور مطبوعة ملموسة. وإذا كانت هذه التطبيقات ستقلص الكثير من قدراتنا الذهنية، فإنها ستلغي تمامًا أي قدرات ذهنية للجيل الناشئ مما يجعلهم يواجهون صعوبة اجتماعيًا ودراسيًا.

من غير الممكن المطالبة بمقاومة ذلك التطور والوقوف أمامه، ولكن فعلا نحن بحاجة لتمارين ذهنية، تعيد للذهن نشاطه وقدراته.

حاول مثلاً الذهاب لوجهتك دون الاستعانة بالتطبيق. أو حاول أن تحفظ أرقامًا مهمة بالنسبة لك بين الحين والآخر، وتذكر أن هذه التطبيقات سيأتي يوم وتتعرض لعطل وتخطئ بالوجهة، فانج بنفسك من سطوتها.

يقول آينشتاين: أخشى اليوم الذي ستتجاوز فيه التكنولوجيا تفاعلنا البشري، فإنه سيكون للعالم يومئذ جيل من البلهاء!