إن مفهوم الإسـلام الحقيقي قد غاب عن الأذهان، فكان ما كان. فهو في أذهان البعض دين حرب. وهو في خيال البعض موسوعة طب.

وهو في عقـول البعض منهج اقتصاد. وآخر ما يفكر فيه الجميع، أنه عقيدة وعبادة، وقيم ومثل، وتعامل بالمعروف، وموت وعظة بالحسنى وفيض إحسان، وسبيل إيمان.

وأن الرسول قد تمثل في أذهان البعض، وكأنه فارس حرب، أو عالم طب، دون التفات إلى أن عظمته الحقيقية كامنة في إنسانيته. وأنه مبلغ أمين لرسـالة عظيمة.


ويا حسـرة على ولدي الصغير وعلى جيله كله، ذلك الذي يقارن في خياله بين الرسـول ونابليون. ولا يعرف من الإسلام إلا سيفا مشهورا، وكفنا منورا، وقبرا محفورا.

ويا أسفاه على من مهدوا للتطرف بإخفاء الحقائق وأوقروا في النفوس أن دين السلام سبيل حرب، وأن جيوش المسلمين سيوف بلا قلب، وربما بلا عقل أيضا.

لا بأس هنا أن نقطع رتابة السرد، بحوار نجريه مع القـارئ، سائلين إياه عن رأيه في ما سنقصه عليه من أحداث حقيقية حدثت في (178) مصر في العام الأخير، وكلها موثقة بالأسانيد والمصادر، وليس لها علاقة بخيال أو احتمال، وجميعها تختلط فيها المأسـاة بـالملهاة، تختلط فيها ويربط بينها جميعا خيط رفيع، يمكن تسميته الجنوح، أو الجموح.

لكن أصدق وصف لها، أنها تنويعات على أنغام شاذة.

ولعلنا نستأذن القارئ في استعارة أسلوب كتاب السيناريو في الأفلام السينمائية، فلربما كان أصدق في التصوير، وأدق في التعبير.

بعض شباب الجامعات الإسلامية في جامعة أسيوط، يرفضون الذهاب إلى الجامعة في سيـارة أو على دراجة، ويفضلون تأكيـدا للأصولية، أن يذهبوا ممتطين «دابة».. حجتهم في ذلك أن السيارة والدراجة، ينطبق عليها وصف «لتركبوها».

أما الدابة، فينطبق عليها وصف «لتركبوها وزينة». وتزداد جرعة الأصولية لدى البـعض فيفضل امتطاء «الناقة.»

المشهد:

أمير إحدى الجماعات، يرتدي جلبابا أبيـض قصيرا، ويمتطي ناقة تتهادى به، بينما الكاميرا تتابعه. تقترب الكاميرا من وجهه، فتظهر لحيته السوداء الكثيفة، وبقايا من شاربه الحليق. وتبدو عيناه مكحلتين بكحل الإثمد.

تمر الناقة، وتقترب الكاميرا من ظهره، فتظهر الذؤابة المتدلية من عمامته، وشعر رأسه المنسدل على كتفيه،ومن بعيد، يظهر مبنى حديث.

تقترب الكاميرا من لافتة على باب المبنى مكتوب عليها «كلية الطب».. ستوب.

ونتساءل معاً: تحت أي بند من البنود يمكن أن «نصنف الأحداث السابقة، وكلها حقيقية وموثقة.

أي أسلوب يجدي يا ترى مع هؤلاء وأمثالهم، هل المجادلة بالتي هي أحسن، أم المجادلة بالتي هي أسوأ، وما الأسوأ مما نسمعه عنهم ونراه منهم؟

هذه أسئلة لا تغني عن محاولة استعراض أسباب المشكلة، وسبل الحل.

وهي محاولة صعبـة، أمام تيار يمرح أفراده في مساحـة واسعة، تبدأ بالرفض وتنتهي بالخبـال، وتمر بـينهما على العنف لفظا ويدا وسيفا ومدفعا.

1986*

* كاتب وباحث مصري»1945- 1992"