هل لحركة الفهم المباشر حجاب؟ سأطرح -هنا- اسمين يُقابلهما مُحبَّان؛ لتوضيح منبع السؤال؛ هما محمود درويش، ومحمد أركون. فأمَّا درويشُ فيقابله صبحي حديدي، الذي كتبَ دراسة بعنوان (محمود درويش في سرير الغريبة: قصيدة الحب والنداء الملحمي) ونَشرَها في مجلة الكرمل الجديد، مناقشًا فيها ديوانَ (سرير الغريبة)، على أساسِ أنَّ موضوعَه هو الحب، ودرويش لم يتعاطَ مع الحب كالشُعراء في غزلهم؛ من حيث التذلل في الصبابة، مقابل العزة في مواجهة الحياة.

ولهذا لما قرأ صُبحي ديوانَ صديقه درويش لم يجد خشونة وجلادة، وفي الآن نفسه لم يجد صبابة ورخاوة، فالتفتَ إلى مفاهيم الحب في التراث العربي، لعلها تُسْعفه في التأويل، فوجد طرحًا مختلفا اقترحه ابنُ حزم في طوق الحمامة، وهو أنَّ ماهيّة الحب معقودة بالتمازج والتباين بين المُتحابّين، ويأتي التمازج بالاتصال الروحي؛ حيث الشكل يستدعي شكلَه، ويأتي التباينُ بعكس ذلك، أي بالانفصال الروحي. ومن هنا ظنَّ صبحي أنَّ درويش يتبنى هذا الرأي؛ ولذلك قرأ بيتَ درويش:

«لنذهب معًا في طريقين مختلفين/لنذهب كما نحن متحدين/ ومنفصلين» بالطريقة الحزْميّة؛ مع أنَّ درويش يجمع بين الاتحاد والانفصال في آنٍ واحد، إلا أنَّ ذلك لم يجعل صُبحي يلحظ، فهل ثمة غشاوة على هذا الصديق تمنعه من قراءةِ مَنطوق نَصِ صديقه؟

أهي الاعتقاد بأنَّ حركة السماء تُغاير حركة النفس؟ إذ إنَّ ابن حزم يعتمد القول المأثور: «الأرواح جُنود مجنّدة؛ ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، أي أنه يُحيل الحب على أصلٍ رفيع، بأن تكونَ الأرواح مُقسّمة في مكانٍ علوي، ومنها يعود التجانس والتنافر، وحين تتغرّب فسبب ذلك شوقها للأصلِ العلوي.

ولأبين ذلك أكثر؛ فإنَّ ابن حزم يرى أنَّ النفسَ العلوية لها قوى متعددة، ومتجزئة بالتجاور، ويقابلها أنفس أرضية، وأما ظهور الحب فمرتبط بنوع القوة وتجاورها (المناسبة والمجاورة)؛ أي إذا تحاب امرأة ورجل فإنَّ نفسيهما تناسبتا بالقوى وتجاورتا. هُنا صُبحي بقراءته المقتضبة لابن حزم ظنَّ أنَّ لفظة الغريبة في ديوانِ درويش -مع مطلع القصيدة الواردة أعلاه- تعود إلى هذا التمازج والتباين وغربة الروح فيها، تلك المعاني المتعالية على الجسدِ، ومرتبطة بالسماء.

ومما زادَ من الظنونِ المقتضبة في قراءةِ صبحي أنَّ لدرويش في هذا الديوان قصيدتان؛ الأولى: طوق الحمامة الدمشقي، والثانية: سماء منخفضة. وهاتان القصيدتان تَنْقُضان قراءةَ صبحي؛ حيث إنَّ الحب الدرويشي، يفترض سماءَ الأبي الأكبر سماءً مُنخفضةً، وصفاتُه: السير على القدمين، وصغير، وفقير، ويمر بين الأجساد.

وأما أركون فيقابله قارئ خاص، هو هاشم صالح، الكاتب الذي ترجم أغلب أعمال أركون إلى العربية. ومن المفارقة أن يحتاج أركون -الذي يريد أن يحدد إشكالية الثقافة العربية- إلى تعريبه.

هاشم يقول في مقال لماذا حاولت نقل فكر أركون إلى العربية: «أنا عربي مسلم، قلبًا وقالبًا، ولهذا فإني أغار على هذه الأمة، وأتمنى لها الخروج من هذا المأزق...»

من هُنا انطلقَ في تمجيد أركون؛ بصفته أول من عالج مشكلة الوحي تاريخيًا وانثربولوجيًا مقارنًا يشمل الأديان التوحيدية؛ وبهذا يكون أركون حَرَّرَ هاشمًا -بحسب قوله- من رهاب النصوص المقدسة، إن لم يكن إرهابها.

والذي فعله أركون هو تسليط ضوءِ المناهج الحديثة في البحث العلمي على القرآن، فأضاءه بصورة لم يسبق لها مثيل -كما يقول هاشم- أي أنَّ هاشمًا -بما أنه مهموم بالإسلام- رأى أنَّ النتيجة الأركونيّة هي أنَّ التأثر القرآني بما سبقه -كالتوراة والإنجيل- لم يكن مباشرا -كما يقول بعض المستشرقين -بل صهر كل العناصر السابقة عليه وقدمها بتركيبة عبقرية جديدة عن دين التوحيد باللغة العربية. فغاية هاشم الخروج من لاهوت القرون الوسطى -كما يقول- دون التخلي عن جوهر الإسلام، ومن ثمَّ فقراءته لأركون تعتمد على هذه الأمنية المغايرة عن عقلية الغرب -التي يتمنى أن يصل العرب لها- إذ من التخبط في الرؤية أنه يعتقد أن المشكلة الأساسية للعرب والمسلمين هي نقد العقل الديني لا العربي، مع أنه يرى أنَّ العقل البشري واحد في نهاية المطاف، لكنه متقسّم في الأزمنة بحسب القوميات الكبرى!، كل ذلك؛ كي يُنقذ الإيمان من الرؤية الإلحادية، حيث يقول -في المقالة- «ولكن تلزمنا حضارة تجمع بين الروح والمادة... ولو أن ذلك وجد في بلاد الغربة لما مكثنا بها ساعة واحدة».

إذن ما يتمناه غير موجود في الغرب -بحسب قوله- ومع ذلك يقول: إنَّنا يجب أن نصل إلى المرحلة الغربية المتجاوزة للعقل الإسلامي.

إنَّ ضبابية هاشم -أولا- في التمييز بين العقل العلماني الفردي، والرؤى الجمعية المسيرة لأحداث التاريخ بحسب الأمكنة، ثم -ثانيًا- في التمييز بين تحرر العقل من اللجوء إلى الروحانيات، وبين الدمج التلفيقي بينها؛ هي -أي الضبابية- ما تجعله يستعين بمراحل التطور البشري عند أوغست كونت، ليُطبقها على تقسيمه للعقليات، فالعقل الغربي في مرحلة الوضعية العلمية، والعقل الإسلامي في المرحلة اللاهوتية الغيبية. ثم يقول لنا:

يجب على العقلِ الإسلامي أن يصل إلى مرحلة العقل الغربي، لكن -في لحظة تضاد- يتذمَّر من فقدان الروحانيات عند الغرب.

ولعل الضبابية هي ما جعلته يقرأ أركون بتناقضٍ مُغاير؛ إذ أركون متدين بشكلٍ من الأشكال أيضًا، لكن مختلف عن تناقض هاشم، إذ قد وقف أركون ضد العقل الوضعي التاريخي، مع أنه ادعى إحلال الحس التاريخي محل الوعي الأسطوري، ولعل الذي جعله يفعل هذا هي فكرة المخالفة بين العلمانية الأرضية والتعلمن السماوي، النابعة من الاعتقاد بأنَّ الدينَ بنية متمايزة عن الصيرورة الأرضية.

يقول أركون -على لسان المعارضين له- إنك «غريب على عصر التنوير الذي تظهر تعلقك به شكليًا، ولكنك في الواقع تعاديه أو تهاجمه باسم دينك، والدليل على ذلك تفريقك الماكر بين العلمانية والعلمانوية.

فأنت لم تصنع هذا التمييز المصطلحي إلا لكي تقضي على فكرة العلمانية من أساسها، في الواقع إنك معادٍ لهذه القيمة الأساسية المؤسسة لحضارتنا». ولعل الضبابية هي القاسم المشترك بين أركون وهاشم.