أولًا: احتكار الحق: وهي مسألة تُعَرِضُ الفكر إلى الوقوع في مأزق الوثوقية، وتوهم الصوابية، والنتيجة الحتمية لذلك: الانغلاق الذهني، والاكتفاء الذاتي في مجال الحق والصواب والأصوب.
ثانيًا: إعلاء الجماعة وتهميش الفرد: فتحييد الفرد والتفرد في مقابلة الجماعة والإجماع، دعوة مباشرة إلى إغلاق العين، وإطفاء الذهن مقابل الأمر والنهي الصادر عن التدين الجمعي، وهذا ما يحيل أي رأي فردي إلى فتنة واجبة الدرء، والرد بأي شكل.
ثالثًا: صرامة الموقف من المخالف: وانتهاج العنف ضد المعارض، وممارسة الإرهاب الفكري مع المخالف، مما يخفف من حدة المواجهات الفكرية ويقللها، الأمر الذي يجعل أفكار ومعتقدات التدين الجمعي في مأمن من النقاش والمحاورة والتفنيد.
رابعًا: المحافظة والتحفظ: حيث تقود أدوات التدين الجمعي، ومنهجيته الفقهية، ورؤيته الاجتماعية، إلى تشكيل عقل محافظ، وكنتيجة طبيعية للمحافظة، تبرز ظاهرة التوجس والتحفظ من الجديد أو الغريب، سواء كان إنسانًا أو فكرًا أو منتجًا.
خامساً/ المظهرية: فتعظيم الشعائر المتعلقة بالمظهر في ذهنية التدين الجمعي بالغة الأهمية، لما لهذه المظاهر من بعد عميق، فالتشاكل والتماثل المظهري، مهم لوحدة الصف وفرز الولاءات، وهذا ما دعا بعض الوعاظ المتحركين في نسق التدين الجمعي، إلى إعلاء قيمة هذه الشعائر ووضعها في مكانة غير مكانتها المفترضة شرعاً.
سادساً: التقيد والانقياد: لكون هذا النوع من التدين وظف بطريقة عملية لتكوين مجتمع ديني يبدأ من القاعدة الشعبية، تمهيدًا للوصول إلى الدولة، فقد كان مهمًا توحيد الرأي والرؤية، وتحجيم الاجتهاد وتشجيع الانقياد، وبالتالي تشكيل عقل جماهيري جمعي، يسهل توجيهه، وقيادته، وتجييشه لأي غرض، وبسبب هذه العقلية أصبحت مكانة الشيخ في الثقافة الشعبية السعودية، لا يعلوها مكانة.
وكلها كما نرى مواصفات الإسلام السياسي، وإسلام السلفيات المتعددة.
والتدين الجمعي انطلق من أربع آليات، ساهمت في تشكيل الوجه الثقافي لمجتمعاته:
الأول: التوحيد في العقيدة والتشريع، والذي يأخذ بمبدأ الصرامة والتحوَّط، مع تهميش جانب الروحانيات.
الثاني: استقلالية منطلقات الحكم وكفايتها، فيما يذهب إليه التدين الجمعي من نتائج قطعية وأحكام نهائية، في سياق المسائل والمشكلات الشرعية التي يعالجها، وتكوِّن بشكل تراكمي حصيلة هائلة ومتفردة من الآراء القطعية، في مختلف المسائل الفكرية والشرعية، وهو ما يمكن أن نطلق عليه «فوضى الفتوى».
الثالث: حماية جناب التدين الجمعي بأداة الممانعة الأوضح والأبرز في الفكر الإسلامي، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «فوضى الاحتساب».
الرابع: سد الذرائع، كقاعدة أفرزت الكثير من الأحكام والمفاهيم، ساهمت في تمكين التدين الجمعي من تسييج المجتمع وعزله، عن الأفكار والمنتجات الفكرية المتوقعة أو المتوهمة أحياناً.
هذه الآليات تضافرت لتساهم في تكوين طبيعة مجتمعية متزمتة، من خلال مظهرين بارزين:
الأول نظري: وهو منهجية تلقي وأداء المسائل العقدية والفقهية، وتبنيها الرأي الأشد، والآخر عملي: وهو استخدام القوة والقمع والإجبار على قاعدة: «يستتاب، فإن تاب وإلا قتل»، لفرض الرأي والفكر، ومن يملك القوة لفرض رأيه وفكره، فإنه بطبيعة الحال سيمارس عملية الحماية لهذه الآراء والأفكار، مما ينتج التعسف والتزمت في الأداء والالتزام، وهذا هو الباعث الرئيس لحالات التناقض في المجتمع السعودي، حيث إنه من المتعين أن تقود حالات الإكراه بالتدين الجمعي، عبر فوضى الفتوى وفوضى الاحتساب، إلى خلق مواقف وأشكال من التقيد والالتزام الشكلي الفارغ من القناعة الداخلية الصادقة، وهو ما يقود إلى التناقض والنفاق، الأمر الذي خلق لنا مجتمعًا لا يعبأ بالفنون، ولا يعطي للجمال قيمة عليا، وإنما يركز على العمل والتناسل، وحتى في جانب العبادات فإنها تؤخذ في بعدها الكمي، بعيدًا عن الكيف والماهية، كما أن أي مراجع للخطاب الديني الجمعي، سيجد أنه موجه في معظمه للسلوكيات الظاهرة، والتعبد الظاهر، والتدين الجمعي إلى ذلك ساهم أيضا عبر أدواته وآلياته المعرفية والمنهجية، بتكوين عقلٍ ثقافيٍ معين للمجتمع، من جهة النظر لمسائل التعددية المذهبية، والتسامح الديني، وقبول الآخر، ورسخ ذلك تربية منظمة للمجتمع، عبر الاحتساب والفتوى ومنبر الجمعة، وعبر الجهود التعليمية والوعظية في المساجد والمنتديات المختلفة، وعبر صفوف المدراس من خلال المناهج الخفية، التي يمارسها المعلمون الخاضعون لهذا الفكر أو التنظيم.
أما التدين الفردي فإنه يقضي على التطرف والإرهاب، من خلال إرساء الفهم الصحيح لمنهج أخذ الدين، ثم التدين به بما يناسب الحال والمآل، وهنا سنخرج من ضيق الخلاف والتضاد «التدين الجمعي» إلى سعة الاختلاف والتنوع «التدين الفردي»، ولن نحمل همومًا مختلقة رسخها الإسلام السياسي في عقولنا لعقود ممتدة من أمثال: همّ الدفاع عن الفتوى ورأي الشيخ، أو همّ الدفاع عن التدين، لأنها شؤون خاصة.
إن إدراك مفهوم التدين الفردي، وتطبيقه، أمر مهم، وهو ما وضحه سمو الأمير محمد بن سلمان، حينما سئل عن تبني الدولة لمنهجية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقال سموه: «متى ما ألزمنا أنفسنا بمدرسة معينة أو بعالم معين معناه ألّهنا البشر»، وقال: «لا توجد مدرسة ثابتة ولا يوجد شخص ثابت، القرآن والاجتهاد مستمران فيه، وسنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- والاجتهاد مستمران فيه».
أخيرًا، وحتى نقول: «للعالم أهلًا»، فيجب أن ندرك أن العالم اليوم إنسانيًا تجاوز منطقة الأديان، إلى التعامل بالمشترك الإنساني العام، والذي يكون فيه الدين فرديًا وشأنًا خاصًا لا علاقة ولا شأن لأحد به.