اهتز العالم الأسبوع الماضي بعد الإعلان عن وفاة (19) طفلًا ومعلمتين بمدرسة مدينة أوفالدي الابتدائية بولاية تكساس الأمريكية، على يد ذئب بشري تجرد من كل معاني الإنسانية واقترف جريمته بدم بارد، وهو شاب حصل على سلاح فتاك من متجر مجاور.

وتناقلت وسائل الإعلام العالمية ذهول الآباء وانكسار قلوبهم على أطفالهم، وبكاء الأمهات الثكالى، بل ووفاة زوج إحدى المعلمتين كمدًا على زوجته المعلمة التي راحت ضحية الحادث وهي تدافع عن الطلاب، ولفظت أنفاسها الأخيرة وهي تحتضنهم.

هذه المأساة المروعة تجسد وبقوة حجم الخطر الذي يكتنف أمريكا، ويدق ناقوس الخطر أيضًا بكل العالم، واللافت في الأمر أن كثيرًا من حوادث القتل الجماعي تكون بالمدارس، وهي نتاج عملية انتقامية من المهاجمين الذين قد يكونون طلابًا، أو أشخاصًا لديهم تجربة سلبية مع المدرسة، وعند النظر في هذه المشكلة بشكل عميق يمكن أن نستخلص العديد من الدروس والعبر من هذه الحوادث المؤلمة.

أولى هذه الدروس أن الطلاب لهم مشاعر وانفعالات ونظرة للحياة مختلفة عن غيرهم، وهذا يستلزم النظر بشكل مختلف وعميق وعلى أسس علمية للمشكلات التي تظهر عليهم، وخصوصًا القضايا التي تتعلق بالتنمر أو العنف تجاه زملائهم أو معلميهم أو المجتمع المحيط بالمدرسة، لأن عدم علاج هذه المشكلات الحادة أو تجاهلها من قبل المعلمين، أو إطفاؤها بطريقة غير مدروسة، قد يؤدي إلى تفاقمها بشكل مروع وغير متوقع للنتائج، لذا فمن الضروري إعادة النظر بشكل جذري في برامج الإرشاد النفسي الوقائية والعلاجية، وأن تكون المهام المتعلقة بالاستكشاف والعلاج جماعية، وعبر فرق عمل مدربة للتعامل مع أنواع المشكلات السلوكية بالمدرسة، وعدم الاكتفاء بتطبيق اللوائح العقابية وانتهى الأمر عند هذا الحد، لأن الاكتفاء بالعقاب في بعض الأحيان قد يفاقم المشكلة، ويولد مشكلات أخرى أكثر حدة بدافع الانتقام وإثبات الذات.

وثاني الدروس التي نستخلصها من هذه القصة المروعة، أن أسرة المهاجم لم تلاحظ سلوكياته، أو في أقل الأحوال لم تبلغ الجهات الأمنية عن تغير تصرفاته وميله نحو العنف، وهذا بالضرورة ناتج من الإهمال السائد في كثير من المجتمعات، وتجاهل الدور المحوري للأسرة التي تُعدُّ المعقل الأول للتربية، ولا يمكن للتربية أن تكون فاعلة وتتسم بالأثر في النشء إلا عندما تتضافر وتتكامل الجهود الاجتماعية مع دور المدرسة في رصد السلوك الشاذ وتعديله، أو إبلاغ الجهات المختصة في حال عدم القدرة على التعامل مع بعض الحالات التي تخرج عن السيطرة.

وفي حال المهاجم لمدرسة أوفالدي لوحظ من خلال التقارير الإعلامية أنه اشترى السلاح ووضعه بالمنزل، بل أخبر بعض أصدقائه بنيته المبيتة للقتل، دون أن يتحرك أحد، لأن الجميع في وضع السبات مع الأسف الشديد.

نأمل أن تتغير نظرتنا نحو حل المشكلات المدرسية، ونعيد النظر في ممارساتنا الإرشادية، لتنعم مدارسنا بالأمن بإذن الله.