من أصعب اللحظات التي يمكن أن تمر على الموظفين، لحظات مرحلة التقييم. تلك الفترة التي تغير من النمط الروتيني لطبيعة العمل. هذه المرحلة في الغالب يسودها قلق شديد وتوتر في بعض علاقات العمل. وقد يصل البعض بها إلى مرحلة القطيعة. صعوبة هذه الفترة ليست مقتصرة على الموظفين فحسب، بل حتى المديرين والمسؤولين، تجدهم يدخلون في مرحلة حرج ويتمنون إعفاءهم من هذه المسؤولية.

فكرة تقييم الموظفين، هي مراجعة لأداء الموظف سواء بشكل ربعي أو نصفي أو سنوي، وهو في الأصل مبدأ منطقي وجميل، حيث إنه يعزز مفهوم الثواب والعقاب. فنقول في مرحلة الحصاد للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت. ولكن الإشكالية أن دهاليز المكاتب وما يدور فيها من توتر وشحن نفسي يفقد التقييم الكثير من قيمته.

إشكالية بعض التقييمات أنها نماذج صممت بشكل لا يوائم طبيعة العمل ذاته. وأحيانا هناك معايير تكون مجدية في بيئات عمل دون الأخرى. ومن أصعب أمور التقييم والتي قد تخرجه من نطاق المنطق، المطالبة بالتفاضل في التقييم، أي أنه لا يمكن وفق ذلك النموذج أن يصبح جميع الموظفين جيدين وبمستوى عال.

ولهذا يلجأ ويجبر بعض المديرين على المحاصصة بحيث هذه السنة يمنح التقييم الجيد للبعض، والبقية يعوضون في السنوات المقبلة وكأنها تدار بسياسة «جبر الخواطر».

الإشكالية أن هذه المحاصصة تأتي على حساب أمور عدة، في مقدمتها الامتيازات المالية أو حتى الترقيات. وبالتالي علاوة على كون التقييم يخرج من غرضه الأساسي، لا بل يتحول إلى ظلم الموظف لمجرد أن اللائحة تمنع منح التميز للكل أو لمجموعة كبيرة.

بل إن المطالبة بعدم وضع ذات التقييم لجميع الموظفين تدخل المدير في دائرة الترصد للبحث عن أي خطأ حتى يكون شفيعا له في تقليل مستوى تقييم الموظف. فلو كانت التقييمات تفصلها كل جهة أو إدارة بناء على اختصاصها ولا يشترط فيها التفاوت في درجات التقييم، لأصبحت أكثر موضوعية ومنطقية وأعطت إشارات واضحة لكيفية سير الأداء ومكامن التطوير.

وفي العالم الموازي هناك بعض التقييمات لا تعدو كونها إجراء روتينيا وبيروقراطيا فقط لاستكمال متطلبات معينة، وهذه التقييمات تندرج تحت مقولة «أعلم أنك تعلم أني أكذب» فهي مسألة هدر وقت وتعبئة جاهزة للنموذج دون وجود أي جدوى لذلك التقييم، فالكل في هذه الحالة يدخل جميع الموظفين في نطاق أنهم موظفون ممتازون، ويتساوى حينها المميز والمهمل والمجتهد، مع المتخاذل المتكاسل، فالمحصلة واحدة طالما أن ذلك النموذج تعبئته أمر روتيني، فقط لاستكمال متطلبات أمر آخر، وهذا ينعكس على حماس المتميز المجتهد حتى ينطفئ وهجه وينتقل من شعلة النشاط إلى مرحلة موظف روتيني عادي يراقب الوقت ليضع بصمته على ذلك الجهاز.

تتردد دائما مقولة المساواة في الظلم عدل، أما في قالب تقييم الأداء الوظيفي فأخشى أن تصبح المساواة في العدل ظلما!