لكن ما مناسبة ذكر هذا الآن؟!
ليس من المعروف عنا مدح مسؤولي الدولة وعادة ما ننتقد، لكن مناسبة الحديث هو البعض من التجار لا يفهم بلغة الرسائل الراقية، ولازم تكون صريح معه وتضعها أمام وجهه كبيرة كأنها لوحة إعلان حتى يفهمها.
سمو ولي العهد كان واضحا وصريحا وشفافا كعادته عندما أشار في اجتماع المجلس الاقتصادي (وشدد على الأدوار المهمة للوزارات والأجهزة الحكومية ذات الصلة بمراقبة التطورات الدولية... وعلى متابعة الأسواق ووفرة المنتجات ومستويات الأسعار، وحماية المنافسة العادلة وتشجيعها، ومكافحة ومنع الممارسات الاحتكارية)
الرسالة كانت واضحة وضوح الشمس لمن لديه فهم.
لكن بعض التجار لدينا يستمتع بل يعمل جهده من أجل إيجاد الأعذار لرفع الأسعار وبعض الممارسات، وكما ذكرنا سابقا في مقال «مص جيب المواطن حتى آخر قطرة». بل إن الحجج الواهية لبعض التجار أسطوانة لا تنتهي، لكن دعونا نشرح عقلية بعض التجار لدينا حتى نوصي بالطريقة الأمثل لإيصال الرسالة لهم.
العديد من التجار لدينا تاجر تراب أو عقار (ما تفرق)، استحوذ على مساحات من الأراضي أيام زمان، إما عن طريق مشاركة أحد المسؤولين أو الواصلين أيام كانت الدرعا ترعى وأيام (شد لي واقطع لك) وطلع لها صكوك ومع الوقت تركها وكنزها ثم بدا يبيعها بأسعار خيالية، يعني الموضوع ما فيه أي نوع من الابتكار والفكر والذكاء الحاد لذلك العقلية لم تتطور كثيرا، لذلك نظرته للأمور واستراتيجيته لا تختلف كثيرا عن نظرة الشريطي بالحراج لكن يفرقون أن الأول لابس بشت.
كثير من التجار في البلد صنعتهم أفضال الدولة، سواء أيام الطفرة أو الوكالات، أما كان يأخذ مشاريع من الدولة أو كان مجرد وكيل يضع هامش ربح بما أن الشركات كانت ملزمة بوكيل محلي والعديد لم يتطور رغم مرور عقود ولم يحضر للبلد أي قيمة مضافة أو فريدة، بل خير وأفضال الدولة بعد الله مغرقة تجار البلد من رؤسهم لأخمص أقدامهم.
لذلك لا يوجد كثير من التجار المميزين أو الصناعيين المتفردين والذي وضعوا لهم اسم وبراند خارج البلد، وكثير منهم لما توسع خارج البلد لم ينجح كثيرا لأن ليس لديه التسهيلات والدعم الموجودة في الوطن، أذكر قبل سنوات عندما كتبنا عن أكوا باور، ولم تكن معروفة داخليا للعامة كما الآن، ووضعناها في المرتبة الأولى قبل آرامكو وسابك استغرب البعض كيف نضعها في المرتبة الأولى، وأذكر قلت إن هي من صنعت اسما قويا في الخارج، ولم تعتمد على تسهيلات الداخل كثيرا، بينما أرامكو لديها واحدة من أقل أسعار الاستخراج في العالم، وسابك كانت مدعومة بأسعار اللقيم، لذلك كمثال أكوا باور تغرد وحيدة خارج السرب.
التاجر الحقيقي عنده شغف ومهارة أينما تضعه في أي بلد كان مفروض ينجح، ولا يكون طفيليا يعتمد على الدعم، ولدينا تاريخيا مثالان جميلان، فسيدنا عبدالرحمن بن عوف، رضي الله عنه، طلب دلوني «على السوق» لأنه واثق في قدرته، سواء كان في مكة أو هاجر للمدينة، ومثال آخر قريب بالزمن «العقيلات» طلعوا من نجد وأصبحوا أكبر التجار في الشام والعراق والبحرين والهند، بينما الآن بعض التجار لدينا لو تطلعه من البلد غرق بشبر ماء!
ولنرجع لبعض عقليات التجار الانتهازية، بما أنه لم يتطور مع الوقت وتعود على الدعم الحكومي لعقود وصعب عليه الفطام من الدعم تجده يحاول إيجاد الأعذار والمبررات من أجل رفع الأسعار ورفع أرباحه قدر الإمكان من دون النظر لحالة الاقتصاد الكلي ومن دون التفكير بوضع الزبون أو العميل، يختلق جميع الأعذار الممكنة ويتحجج بالسوق العالمي وارتفاع الأسعار الخ... لكن هناك مشكلتين في حجج بعض التجار:
المشكلة الأولى، أنه عندما ترتفع الأسعار عالميا، فإنه يرفع الأسعار «وقد نجد له عذرا في ذلك»، لكن عندما تنخفض الأسعار عالميا نجدها لا تنخفض عنده ويجد ألف عذر من المخزون وغيره حتى لا ينزل أسعاره.
المشكلة الثانية إذا زادت الأسعار بنسبة معينة عالميا ولو بسيطة نجد التاجر- بس شم الرائحة- فإنه دبل النسبة في الأسعار، يا أخي كن منطقيا في رفع الأسعار ترى أغلب الناس لها دخل شبه ثابت لا يتحمل الزيادات الكبرى الفجائية.
أعطيكم مثالا حيا، الآن انخفض سعر اليورو حوالي 15% من سعره قبل سنة مقابل الدولار، أي مفروض أن أسعار المنتجات الأوروبية تنخفض، خصوصا أن بعض التجار قبل سنوات كان يدعي أن سبب الزيادة ارتفاعات اليورو وأن بعض الأوروبيين لا يتعاملون إلا باليورو وليس الدولار الخ.. الآن أيها التاجر الذي تحججت بأسعار اليورو (ورنا ركضك بالسروال) وخفض أسعار المنتجات الأوروبية أو كالعادة ستجد عذرا آخر من قبيل أسعار الشحن أو المخزون الخ..
بعد تحليل عقلية بعض التجار لدينا اقترح على وزارة التجارة والإسكان بأن يجتمعوا مع كبار التجار ويوصلون الرسالة واضحة ويشكمون كل من يعاكس الرسالة ولا يعمل بمقتضاها! لا تستحوا منهم، نعم لا تستحوا منهم، لحم كتوفهم من خير هذا البلد ولن يجدوا أفضل من هذا البلد في الإمكانات والدعم!
وأصلا بعضهم ما له عين حتى يتحجج أو لن يخسر البلد شيئا إذا أوقفناه، ليس لديه هذه الصناعات النادرة أو القيمة المضافة أو التكنولوجيا المتقدمة (بعض التجار بدالهم ألف)، وليس هذا من التجار اللي مشاريعه الحيوية وأعماله الخيرية من مستشفيات خيرية مراكز اجتماعية مغطية البلد، بل يجمع أصفارا في رصيد البنك، ولا أحد دري عنه، وأفعاله الخيرية للوطن والمواطن لا ترى بالعين المجردة!
لدينا في البلد عنصران إذا تم التحكم بأسعارهما بالمعقول عاش المواطن في بحبوحة وتحرك الاقتصاد والدورة الاقتصادية «العقار (السكن) والغذاء» فهما ذوا التأثير الأكبر والعاملان المهمان لراحة المواطن، ونأمل أن الرسالة تصل فالتكرار يعلم الشطار.