تحدث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في أكثر من لقاء عن أهمية مراجعة كتب الحديث، وكذلك عن إصدار نسخة محدثة لكتب السنة النبوية تحوي المتواتر الصحيح من الأحاديث النبوية، وتستبعد ما اتفق على ضعفه أو انقطاع سنده أو تعارض متنه مع القرآن الكريم.

أليس هذا عملا عظيمًا نزيهًا تقوم به السعودية، ويأخذ ولي العهد على عاتقه مهمة إنجازه حفظًا للإسلام من التشويه، وحماية للأجيال القادمة من أبناء المسلمين من الاستغلال لعقولهم ومشاعرهم الدينية، لكن هذا العمل في الحقيقة يؤدي لكساد بضاعة تجار الدين الذين لطالما وجدوا في هذه الكتب مادة خام قابلة للتشكيل حسب مواقفهم وأهدافهم، وقد تعالت أصواتهم فعلا للنيل من هذا التغيير التصحيحي التاريخي.

لقد مرت عملية كتابة السنة النبوية بمراحل طويلة، وقام بها رجال مع إخلاصهم وحرصهم إلا أنهم لم يملكوا أدوات التحقق الكافية في عصور كانت المعلومة فيها تسافر على ظهور الخيل والإبل، فضلا عن الظروف السياسية وأهواء الناس، واتساع رقعة البلاد الإسلامية ودخول شعوب كثيرة ذات حضارات ولغات وأديان مختلفة، مما أثر في كتابة الروايات وأنتج ما نراه اليوم من تعدد المذاهب والرؤى والمدارس الفقهية والحديثية بل والاعتقادية كذلك.

إن تصحيح هذه الكتب ورفع القداسة المضروبة عليها لأكثر من ألف عام هو استحقاق تاريخي للمسلمين، بل كل عمل بشري يحتاج إلى مراجعة وتحسين طالما هو قيد الاستخدام والتداول يأخذ الناس عنه شرائعهم ويعلمونه أطفالهم، هذه الأمة إذا باتت تحتاج إلى خط جامع قدر الإمكان يساعدها على الخلاص، مما لحق بها من تراجع واستغلال باسم الدين.

لقد رأينا كيف يتم تشكيل الجماعات الإرهابية باستخدام الأحاديث، واضطهاد المرأة باستخدام الأحاديث، وتكفير المختلفين باستخدام الأحاديث، ونشر الخرافة والأساطير باستخدام الأحاديث، وعلى الجانب الآخر اختفت من الخطاب الإسلامي الروايات الداعية للمساواة والعدالة الاجتماعية والتعايش والسلام ومحبة الحياة واحترام العقل.

ولقد ارتحلت على هذا الطريق أجيال من الكتاب المستنيرين لم يجدوا صدى لآرائهم في أزمنة مضت، بل لقي بعضهم أشد أنواع الأذى، مما يجعلنا نقول بكل فخر إن العالم بأسره محظوظ بإستراتيجية التغيير الجذري والعميق التي ينتهجها الأمير محمد بن سلمان، هذا الرجل الذي صنع على أعين التاريخ، وفهم سيرورته وأدرك مواضع الخلل فيه، ثم اختار أن لا يقف متفرجًا، بل قرر أن يعيد عقارب الساعة ويمحو الأكاذيب ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

ينتظر العالم الإسلامي هذا الإنجاز، ويتوقع أن يحظى بمكانة كبيرة لدى أمة أحوج ما تكون للالتئام وتصحيح مسارها، وهذا ما سوف يتحقق -بإذن الله- ولا نامت أعين المزايدين.