خلقنا الله مختلفين، ثم أرادنا أن نكون خلفاء الأرض، ولكن كيف! و هل يتاح لنا بعد اختلافنا أن نحب بعضنا، ونثق ببعضنا كبشر يجمعنا أصل إنساني واحد؟

أصبح العالم اليوم قرية صغيرة، وتقاطعت مصالح البشر على اختلاف أديانهم ومذاهبهم. ونحن لا نزال نصطدم كل يوم بأفكار إقصائية متطرفة، تكفر المختلف وتشنع على من يهنئ أتباع ديانة أخرى بأعيادهم أو يرجو الرحمة لأمواتهم، ثم يضاف إلى ذلك أن ينسب هذا التطرف للإسلام، ويحمل عليك إصرا و تثريبا إذا أنت لم تتخندق مع هؤلاء في حربهم الشعواء ضد طواحين الهواء.

قال الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» يزكي الله سبحانه وتعالى الصالحين من كل أمة. وتذكر بعض التفاسير أن الصابئين يحتمل أن يكونوا أشخاصا على فطرة الخير لا ينتمون لأي دين. فيما ذهبت بعض التفاسير إلى أنهم أهل كتاب.

سيقول لنا أصحاب نظرية التحريف، بأن الآية تخص أقواما منقرضين قبل تحريف الكتب السماوية! وأقول إن هذا خطأ واضح، فالقرآن كان يخاطب النبي عن معاصرين في زمانه، فإن كان ثمة تحريف وقع فإن أهل الكتاب في زمن النبي كان قد لحقهم التحريف، و مع ذلك فالقرآن يزكيهم ويتحدث عن قبول إيمانهم و صلاح أعمالهم، بل وأباح القرآن مصاهرتهم و أكل طعامهم.

في آية أخرى يقول الله عز و جل «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» و هنا يظهر بوضوح أنه ليس مطلوبا من المسلم اتخاذ أي موقف دنيوي إزاء من يختلف معه دينيا. بل وليس مطلوبا منه أن يكره أحدا أو يعتزل تفاصيل الحياة، التي تجمع بينه وبين كتابي أو وثني أو لاديني، لقد كفانا الله مشقة إطلاق الأحكام وتصنيف البشر فالأمر كله إليه وحده.

ويحاجج فريق الكراهية بآيات الحرب التي نزلت لظروف تاريخية و صنفت «المحاربين» فقط من أتباع الديانات الأخرى كأعداء. لكن إنزال نصوص الحرب على زمن السلم، هو مغالطة منطقية وتوظيف سياسي للنص القرآني لا يلزم مسلمي هذا الزمان، المتطلعين لعلاقات مودة و سلام مع كل أمم الأرض.

والحقيقة أن التطرف ضلالة لا تمت للإسلام بصلة، ومن ينظر للمجتمع الإسلامي الأول يجد المدينة المنورة نموذجا للتعايش بين مختلف الأديان، فنرى النبي يعاهد أهل الكتاب ويصاهرهم ويحسن إليهم، و نرى عمر بن الخطاب يستقبل وفد الأقباط في المسجد، ويفرض لمحتاجي أهل الكتاب من بيت المال.

ختاما.. التعايش و الاعتدال لم يعد مسألة اختيار، بل أصبح ضرورة قصوى وثقافة لابد من ترسيخها، إذا أردنا لأوطاننا السلام و الرخاء، و إذا أردنا أن يكون الدين مقبولا ومقنعا لدى الأجيال القادمة التي ستعيش في عوالم مفتوحة، و تندمج في أنظمة اقتصادية واجتماعية تعددية، تزدهر وتنتعش بالتنوع و الاختلاف، وتتعارض مع أي فكرة إقصائية.