كتبتُ تحت هذه المقولة في دفتري: «هذه وصيةُ امرأةٍ تنفّجَ جلدُها من بعوضِ الذكورية، أو الذكرى!» نسيتُ؛ فالدفتر ضاع، والمفاهيم تختلط بلا دفتر.
قالت المرأةُ -بعد أن سمعت تعليقي: «وهل يوجد غير البعوض في الذكورية»؟ قلتُ: لعلّه بحسب الأهداف يتبيّن؛ إذ البعوضُ -كما يظهر لنا في المعركة معها- عبثيٌّ يتلذّذُ في الحياةِ، ولا أظنُّ الذكوريةَ ارتقت إلى العبثيةِ اللذيذةِ، وهي تحترم شَريكها في الحياةِ حين يريد أن يَستلِذّ بالوجود. فربما لو قِسنَاها هكذا؛ لوجدنا أنَّ الجوابَ عن سؤالكِ صعبٌ. لا شيءَ يُشبِه الذكوريةَ حتى يَتبيّن لنا خيطها الأسود من خيطها الرمادي. ابتسمتْ قائلةً: «حتى رائحتها رائحة بعوضةٍ ماتت قبل سبعين سنة». قلتُ: لماذا سبعين سنة تحديدًا؟. قالت: «ربما كما في القرآن: (إن تستغفر لهم سبعين مرة، فلن يغفر الله لهم)».
وأما ميزانُ البعوضةِ، فهو أثرها مع القارئ في غرفةٍ صغيرةٍ جدًا، إذ لا تعلم أنَّ دَمكَ ذَهبَ سُدىً، إلا بعد انتهاءِ المعركة؛ فهل تستطيع أن تكتبَ مَقالةً، أو تطرحَ رأيًا يُشبِه أثرَ البعوضةِ، في خِفّةٍ تَتَخلَّص من حمولةِ تاريخِ النمط السياسي/ الاقتصادي، والاجتماعي/ النفسي. وفي ثُقلٍ يُشبِه دمَك وجِلْدَك بعد انتهاء المعركة مع البعوضة، في غرفتك التي تُشبِه زنزانة سجينٍ حُكِم عليه بالانفرادي المؤبد، وليكن -إذن- ثُقلًا يُشبه معنى المؤبد، أو الأبدي، لكنه خَفَّ في يوميات الذات الكاتبة؛ ألم يقل درويش عن أثر الفراشة: «هو خفة الأبدي في اليومي»؟. وهذا ما لم يُسَمِّه درويشُ في ديوانه (أثر الفراشة)؛ ليكونَ أثر البعوضة؛ حيث يَرتقي نَصُّ البعوضةِ لأن يَكونَ عُنوانًا فرعيًا للديوان، ولتكن البعوضة هي التي تُقلِقُ نَظريةَ أثرِ الفراشة. وستبتسم المرأةُ -التي في أول المقالة- حيث البعوضة -عندها- هي التي تقلق الفراشة...؛ قلتُ لها: أعني الأثر.. قالت: «أثر يُرى يُقلِق أثرًا لا يُرى». قلتُ: وكيف يُقلَقُ ما لا يُرى؟! قالت: «يُقلِقُ ما يُظن أنه مصدر ما لا يُرى» ثم ابتسمت يائسة: «لعله كُلَما صَلُب الأثر استطعنا محاربتَه، ومن ثمَّ رأينا أملًا في زواله..؛ الأمل بحجم القلق، بحجم إمكانية الخيارات في الحياة» قلتُ لها: ألهذا قُلتِ:
(أثر الأنوثة لا يُرى/ أثر الأنوثة لا يَزول. هو واقعيةُ عاقلٍ/ يستدرج المعنى المؤجل في قطاراتِ الرحيل. هو خفَّةُ الروحي في الجسديّ/ أشواقٌ إلى أجملْ/ وإشراقٌ جليل. هو لفظةٌ في الضوءِ تُسرع/ حين يُرشِدنا إلى النسيانِ/ باطنُنا الأصيل.)...؟ قالت المرأة: ربما.
وعودًا إلى صديقنا البعوض، فبعد أن ذابت ثلوجُ الحداثةِ، وبَانَ المرجُ في وديانها، ونبعت مياهُها في مَسارِبَ عِدّة، تكاثرَ البعوضُ؛ ليرشدنا إلى كيفيّةِ الحديثِ عن كُلِّ ما يُواجهنا في الحياة، دون أن نكون عقلانيين بعد فواتِ الأوان، ودون أن نكون مُتكبرين بعد أن خَرَّ علينا سقفُ البيتِ ونحن نُحلّل تاريخَ الحداثةِ وأهميةِ العودة إلى جذورها، ودون أن نكونَ إمّعات، أو مرتزقة، أو مؤدلجين، أو إيقاعاتٍ لجغرافيا مجهولة، أو نُسّاخًا أكاديميين، أو مُلّاكًا للمعنى المتعالي، أو حالما غربيا يُشبِه هبنّقة المسكين على أقل تقدير، أو حالما شرقيًا يُشبه حالمَ القاهرة في حكايات ألف ليلة وليلة؛ إلى آخر الصفات التي لا تليقُ بجناحَيْ بعوضة، وكأنَّ البعوضةَ تُذكِرنا بقصةِ جلجامش لما قابلَ الفتاةَ -وهو في طريقه للبحث عن سر الوجود- قالت له: «أمَّا أنت يا جلجامش؛ فليكن بطنك ممتلئًا». وفي الوقتِ نفسِه دون أن نرسم ثلوجًا جديدة نستورد مبانيها من القنوات الإعلامية، التي هي دَبّابة بأجنحةِ بعوضة، أو هي البعوضة في لحظةِ تخديرها لموضعِ ما تُريد امتصاصَه، فتكون بعدَ أن يُمتَصّ الدم -على غفلة من صاحبه- هي الوجه الآخر لما كُتِبَ في قفا المشاهد، وكُلُّ مُشَاهِدٍ يَرى قَفَا الآخر، ولا يَرى قَفاه. إنها لعبة القفا الذي لن يُرى إلا من خلال آخر، والآخر هو الجحيم هنا؛ فقد كنتُ جالسًا في غُرفة انتظارٍ في عيادةٍ طبّية، وأمامنا شاشة، لإحدى القَنوات الإخبارية، وعلى الشاشةِ بعوضة تَوَازَى وقوفُها مع أنفِ بوتين -الرئيس الروسي- وكأنها تمتصّ دمَه. قلتُ في نفسي: «ربما هي تمتص دمَه، فعلًا...!» لحظات وقد حَرّك بوتين يدَه، وكأنَّه يطرد البعوضةَ، والغريب أنَّ البعوضةَ تحركت، ثم عادت، ولكن على أنفِ المجاورِ لبوتين -الذي يشبه وجه أمريكا- وكانَ ارتكاء البعوضةِ على أنفيهما، يُريْني الدمَ وهو يَخرجُ من أحدهما إلى الآخر، في عملية تبادل فصائل الدم. ولما انتقلتْ الصورةُ إلى مُراسلِ القناة، اختفت البعوضةُ. ثم وجدتُها على ذراعي هادئة تَطبخ غداءها ربما، قلتُ: يا ليتني لم ألبس فَنيلةً بلا لون؛ كي لا ألفت انتباه البعوضة، ولما أردتُ أن أقتلها، اختفت؛ ليَخرج بوتين مرةً أخرى على الشاشة، وقد تحولت إلى أنوفٍ متعددة لمجاهيل، مع تضخّم البعوضة؛ لدرجة أني تخيلتُها داخل الشاشة لا خارجها، تمتصّ رؤيتَنا للأنوف...! والغريب أنَّ بوتين لم ينبس ببنتِ شَفَة، مع أنَّ صوتَ الشاشة مرتفعٌ إلى آخره.
نادتني الممرضة؛ لأدخل عند الطبيب، فإذا به يُشبه بوتين، أو هو بوتين -بعد معركة البعوضة- فهو لم يستطع أن يقرأ -طبيًا- نتائجَ التحليلِ التي قدمتُها له. قلتُ له بلحظةِ انتصار: إذن أنت بوتين؛ لأنكَ كبطلِ حكايةِ البعوضةِ:
«لكنَّ البعوضةَ تحطُّ على الصفحةِ التي تقرؤها، فتفرح قائلًا في سرّك: لقد وَقَعَتْ في الفخّ. وتطوي الكتاب عليها بقُوَّة: قَتَلْتُها... قتلتُها ! وحين تفتح الكتابَ لتزهو بانتصارك، لا تجد البعوضة ولا الكلمات. كتابك أَبيض».
امتعضَ من حديثي، وكان ينظر إلى المجسّم الطبي الذي أمامه..؛ نظرتُ فإذا بالبعوضةِ تجلس على أعضاءِ المجسّم، تُحرك جناحيْها ببطءٍ عجيب؛ بحركاتٍ مُتَوالية ومتعددة؛ مُتَشابهة مرة، ومتخالفة مرات، ثم أرجعتُ البصرَ كَرّتَيْن إلى التقرير الطبي، فلم أجد البعوضة ولا الكلمات، ظَلَّ أبيض، مِن تَساقط الثلوج على روسيا. ولما انتقلتْ الصورةُ إلى مُراسلِ القناة، اختفت البعوضةُ. ثم وجدتُها على ذراعي هادئة تَطبخ غداءها ربما.