هذه نفثة أنسي الحاج في بئر الأمنية، حين حَجَّ في إحدى السنوات، وألقى بقصيدته الطويلة (الرسولة بشَعرها الطويل حتى الينابيع)؛ لهذا كانَت لفظة الحاجّ -هنا- من الحجّ/القصد، حين يكون جمرةً من الشِعر، تُوقِد تاريخَ الوديعة. وحين يُقال: وديعة، فإنَّ لفظَ الأمانة يحضر، بعد أن كانَ غائبًا، وحين تحضر الأمانةُ، يحضر عذابُ الإنسانِ، وعذابُه يُحضِر العزاءَ، والعزاءُ يستحضر ثلاثَ طُرقٍ، ربّات الشِعر، وربّات الفلسفة -وقد يُخيَّر السامعُ بين الطريقين؛ لتداخل مفهوم المُسْتَدعى في وعي المحيطين بالمُحْتَضِر- وأما الطريق الثالث، فهو طريق الإسناد. وبالرواية يَتّضح؛ فقد روى ابنُ أبي الدنيا -في كتابه المحتضرين- بسنده، أنَّ أبا بكر لما حضرته الوفاة، قيل له: «ألا تدعو طبيبًا يَنظر إليك؟ قال: قد نظر إليَّ، قالوا: فماذا قال؟ قال: إني فَعَّال لما أُريد» في إشارة إلى آية: «إنَّ ربك فَعَّال لما يريد»، وفولتير كان يُسمِّي الفيلسوف بوئثيوس -صاحب كتاب عزاء الفلسفة- طبيبَ نفسٍ، وقد قال بوئثيوس: «إذا أردتَ أن يفحصك الطبيبُ، فعليكَ أن تُعربَ عن جرحك» وأبو بكر لم يُفصح عن جُرح؛ إذ طبيب أبي بكر، هو الطريق الثالث مع ربَّات الشِعر، وربَّات الفلسفة.
ومِن تَقَاطُعِ هذه الطُرق، يَشتعل تاريخُ الوديعة، وستكون (الرسولة بشَعرهَا الطويل حتى الينابيع) ممثلةً عن ربّات الشِعر، وعزاء الفلسفة ممثلًا عن ربّات الفلسفة، وأمّا كتابُ (المحتضرين) فممثلًا عن الطريقِ الثالثِ، في روايةِ أبي بكر، طريقِ الإسناد. وذروةُ التقاطعِ بين الطرقِ هي لحظة الاحتضار، وما يجري فيها، بصفتها لحظة تُمَيّز ذروةَ الطريقِ لدى الذات؛ إذ ما بعد هذه اللحظة هو الموت، فهل للطريقِ لحظةٌ تَشهدُ للآخرين -المتحلقين حول المُحتَضِر- بأنَّ الذاتَ تُسلِّم وديعةً نهائية؟ وبأيِّ معنى؟ هل حالَ الموتُ عن تَسليمِ الوديعةِ/الأمانة؟! أو كما تقول العربُ: «حال الجريض دونَ القريض»؟ وإن حالَ، أو لم يَحِل، فبأيّ معنى؟
وستكون هذه المقالة مخصصة لطريقِ ربَّاتِ الفلسفة، وأما المقالة الثانية فلها ربات الشعر، وللثالثة الطريق المتمثل بكتاب المحتضرين/الإسناد، ويجدر بي أن أُبيّن أنَّ ما يَهمّ المقالات الثلاث، هو تأسيس معنى للتغيّر، الذي يُعبّر عن تخلخل البُنية في المفاهيم التي يُدّعى أنها صلبة.
فأما طريق ربات الفلسفة، فقد واجه بوئثيوس عُنْفًا انتهى به إلى الإعدام، وبما أنَّ المنطقَ كانَ أحدُ فروعِ الفلسفةِ، فإنَّ بوئثيوس جعلَ له منطقًا يُقابل به العنفَ. وهنا نطرح سؤالًا عارضًا: هل العنفُ نقيض للفلسفة/المنطق؟ أم ضده فحسب؟ وهذا السؤال هو ما يجعلني أقول: إنَّ بوئثيوس طرح مَنطِقًا، لا آلية المنطق التي هي فرع من الفلسفة. وربما أنَّ في طرحِه لمنطِقِه إيمانًا بأنَّ المنطقَ لا يمكن أن يكونَ بديلًا للعنفِ، لأنَّ مفهومَ الجماعةِ لا يُعبّر عن الذاتيَّةِ إلا بمفاهيم الكيانِ المعنوي، وهذا له منطقه، وعنفه. ومن ثمَّ لجأ بوئثيوس إلى العزاء بالفلسفة؛ بصفتها أمانة تُسَلَّم للذاتِ في عليائها. وقد صِيغَ العزاء على أنَّ المتحلقين حول المُحتضِر، يُشَكِّلون مجموع الفلسفة بصفتها كيانًا، إذ الكتابُ جاءَ في قالبِ حوار بين سجينٍ -مُقدِم على الإعدام- والفلسفة نفسِها. ومِن المهمّ في هذا السياق، ذِكرُ أنَّ بوئثيوس كانَ سياسيًّا فيلسوفًا، في مقابل سياسيين آخرين. فهل الآخرية -هنا- هي تمثيل للفلسفة بمعناها العمومي؟ والعمومية هنا ستحيلني إلى استعارة الاستعمال العمومي للعقل، عند الفيلسوف كانط، لتحويله إلى الكيان المعنوي، بحكم أنَّ بوئثيوس كانَ موظفًا سياسيًا في الدولة، دافعَ عن زميلِه المُتهم بالتآمر على الحُكم، باستخدام حجة منطقية: «إذا كان ألبينوس مجرمًا، فأنا وأعضاء المجلس نُعدّ مجرمين؛ إذ اقترفنا الذنبَ نفسَه، وإذا كنا بريئين فمن حق ألبينوس أن تحميه القوانين» ولحظة المحاججة هذه، سبقت لحظة العزاء بفترة قصيرة، إذ اعتُقل بعدها، وحُكم عليه بالإعدام، وبين الحكم وتنفيذه، كَتب كتابه عزاء الفلسفة. فما الذي جعله يتخلص من السياق العمومي إلى السياق الخصوصي؟ ولأقُل: ما الذي جعله يتخلّص من إيمانه بأنَّ المنطقَ نقيضُ العنفِ، إلى أن يحتمي بقوته الذاتية، للتخلص من العنف المجازي؟ هذا يُحيلنا إلى ما تعزّى به بوئثيوس، من محاولة فكَّ ارتباط حرية الإرادة الإنسانية مع شموليةِ العلمِ الإلهي؛ حيث قدّم بوئثيوس فهمًا خاصًا للعنف الذي وقع عليه، ومن ثمَّ عاد العنفُ ممتعًا؛ لا بكون ألمه ممتعًا لذاته، بل لأنه اختياره وإرادته التي تجعل من الفلسفة مستقلة بالذات -لا بالكيان المعنوي- تتطلع إلى أن تكون كشموليةِ العلمِ الإلهي، تلك الشمولية التي تُدرك الشيء ولا تسببه، أي إمكانية أن يُعرف الحدثُ، دون أن تكون هذه المعرفة سببًا لحدوثه. ومن ثمَّ فصل هذا العلم الإلهي عن الإرادةِ الإنسانيةِ، وفصل الفلسفة عن إرادة هذا الجمع المتكتّل، الذي يتحرك كأدوات للتاريخ العنيف. ومِن هُنا نلحظ تَغَيّر نظرة بوئثيوس للفلسفة، بين حياته ما قبل الاحتضار، ولحظة احتضاره، وكأنَّ الوديعةَ، تغيَّر نوعُها، أو غُيّرت لدوافعِ الاحتضار الذي تتغير معه الحقائق. لهذا فالموتُ هو الأثر الذي يُغير، ويخلط تعاليم الربات، أو مفاهيم الواقع في ذهن المحتضر، وسيكون معنى الموت، هو الخيط الناظم لمعنى المعاني كلها، لعقودِ الفكر قبل الاحتضار وأثناءه. ومن ثَمَّ ارتجاج المدلول، أو عدم ثباته. ومن هنا فالمتغيّر يموت موتًا صغيرًا، حتى يأتيه التغير الأكبر/الاحتضار، فيعود لشيءٍ قابعٍ في أعماقه؛ ليضربَه بظرفه الآنيّ/رؤية الموت، فينطق بالأمانة/الوديعة.
الفلسفة صُوِّرَت -في عزاء ربات الفلسفة/بوئثيوس- على أنها امرأة، مع تقاطعات واضحة مع ربَّات الشعر، وسنلحظ في المقالة الثانية ماذا فعل أنسي الحاجّ -في عزاء ربَّات الشعر- عندما حوَّل الرسالة من رجل إلى امرأة، مع تقاطعات واضحة مع ربات الفلسفة. وسيبقى الطريق الثالث -حيث الخطاب الجديد القديم في آنٍ واحد- متفردًا لكن مع تقاطعاتٍ يجلبها العزاء/الاحتضار/الموت.