التعليم اليوم هو كل شيء، وهو حجر الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات المتقدمة، وهو المحرك الرئيس للتنمية، وطريق المستقبل للدول والمجتمعات، وهو شرارة إطلاق الفرص الحياتية المختلفة، كما أنه أحد أهم عوامل ومرتكزات المساواة بين كل طبقات المجتمع، فالتعليم الجيد يلغي الفروقات بين الناس، ويضع العلم والمعرفة معيارًا للتمايز والتفاضل، وبالتالي يحدّ من أوجه اللامساواة غير العادلة.

ومن المؤسف أن أقول إن أكبر هدرٍ فعليٍّ وحقيقيٍّ مرّ على المملكة العربية السعودية في تاريخها الحديث من زمن التوحيد وحتى فترة قريبة، هو الهدر البشري من خلال عدم تجويد مخرجات التعليم، وملائمتها لمتطلبات التنمية المختلفة، حيث واجهت الأجيال السابقة، كارثة أهدرت إمكاناتٍ بشرية لا تعد ولا تحصى وآخرتنا عقودًا كانت يمكن أن تستثمر بطريقة متقنة، لتزيد من وتيرة تسارع التقدم، وتقلل من حدة التخلف والتقهقر، ومن هنا كان لزامًا الانتفاضة على الوضع المزري لسياسات التعليم في المملكة، والتي كانت تصرف عليه الدولة بسخاء، لا يكون إلا في المملكة العربية السعودية.

ومع البدء بالإصلاح الحقيقي للتعليم، بحماية ميزانياته، والعناية بتجويد مخرجاته، ومناهجه، وإدخال النظم الجديدة فيه، نستطيع القول بأننا بدأنا نستشرف قفزةً تعليمية هائلة تتوخى المستقبل المشرق، وتوفر تعليمًا نوعيًا بأسس مختلفة، ليكون التعليم أحد أهم مراكز الانطلاق لبلوغ تنمية مستدامة حقيقية، والتي خططت لها رؤية السعودية 2030 بكل عبقرية، ولا يفوتني هنا تقديم جزيل الشكر للقائمين على التعليم، الذين أسهموا بجهدهم وفكرهم من أجل إنشاء نظُم تعليمية شاملة تتسم بالمرونة والجودة والدقة في تلمس الحاجات الحقيقية لأحد أهم بلدان العالم، المملكة العربية السعودية من الناحية الحضارية والتنموية.


وها هنا أود الإشارة لبعض الأمور، التي يدور حولها عدة نقاشات في الفضاءات الاجتماعية المختلفة، وحتى في الفضاءات الافتراضية:

أولها: هو التساؤل الكبير والمستمر، عن مناهج تعليم الموسيقى، وعن الاتفاقية ما بين وزارتي الثقافة والتعليم، حول الفنون الأخرى، إن هذا الأمر له أهمية حضارية كبرى في نقل الأجيال نحو حياة مختلفة، خلَّاقة وثرية ومفعمة بالجمال والبهاء، من خلال رفع ذائقة الطلاب والطالبات إلى أعلى مستوى ممكن، كناهيك عن مساهمة الفنون في خلق أجيال متسامحة وودودة ومتحابة، من أجل جودة حياة أكثر ألقًا وإشعاعًا.

الأمر الثاني: إعطاء الرياضة أهميتها وحقها، في المناهج الصفية، والمناهج اللاصفية، فالرياضة اليوم مؤشر كبير على اهتمام الدولة بأبنائها، وهذا الاهتمام يأتي من العناية بمواهب وهوايات النشء والشباب، وهو الأمر الذي يمكن تطبيقه بسهولة في مدارس التعليم بشقيه: التعليم العام والتعليم الجامعي، كما أننا شعب نعشق الرياضة ونهيم بها، وهذا الأمر يعني أنه يجب بل ولزامًا أن نكون في مصاف الدول المتقدمة رياضيًا، وأن تحقق منتخباتنا وأنديتنا البطولات العالمية، ويحرز أبطالنا الميداليات الكثيرة في المحافل الدولية، وسبيل ذلك الأوحد هو رياضة المدارس والجامعات، والتي يجب أن توازي أهمية وقوة الرياضة العالمية.

الأمر الثالث: وهو الأمر المتجذر والمزمن في الوزارة، والذي نعلم أنه لا يمكن أن يكون لأي مسؤول حاليٍّ أي ذنب فيه، ولكن يجب العمل عليه بجدية أكثر، وفاعلية أكبر، وهذا الأمر هو انتشار التيار الصحوي المتطرف في غالب مفاصل التعليم، سواء على مستوى المعلمين والمعلمات، أو على مستوى المسؤولين عن المكاتب، وإدارات التعليم، وهو أمر نرى تأثيره في تعطيل خطط التعليم وسياساته الجديدة.

ومما تتوارد عليه الأخبار من المتابعين أو المحتكين بسلك التعليم، مسألة تكالب صحويي وصحويات التعليم على تدريس المواد الجديدة لتعطليها من الداخل كما فعلوا بالتربية الوطنية، ذات يوم، حتى أن إحدى المهتمات أشارت إلى تقدم بعض مدرسات الدين لتدريس حصص الرياضة، وهو أمر معمول به في أدبيات الحركات السياسية (الصحوية) لمزاحمة أهل الباطل في تخصصاتهم، لقلبها عليهم.

الأمر الأخير: أود أن أوجز وجهة نظري حول قرار وزارة التعليم بتقليص حصص التربية الإسلامية، ودمج مواد التربية الإسلامية بالقرآن الكريم في بعض المراحل، فمن الأشياء التي يجب ألا تغيب عن البال، أن صانعي المناهج في وزارة التعليم السعودية على قدر عالٍ من المهنية والاحترافية والخبرة العلمية والعملية، ولا شك أن الوزارة تختار كوادرها من الكفاءات العلمية بعناية فائقة والتي تمكنهم من معرفة القدر المناسب لكل مرحلة من المواد العلمية المعرفية، والعملية التفاعلية، ومن خلال مراقبتي لمناهج التعليم وتطورها في السعودية، فإن المناهج السعودية تقفز قفزات نوعية مدهشة ومبهجة، ولا أدل على ذلك من مناهج العلوم والرياضيات، والمناهج الجديدة التي يعلن عن دخولها تباعًا في مراحل التعليم المختلفة.

وبالنسبة لمناهج الدين في التعليم العام، فما يجب أن ندركه أولًا وقبل كل شيء، أن السعودي الناشئ، أو الطفل في السعودية لا يعتمد كثيرًا على مناهج التعليم لتعلم أصول دينه، فهو يبدأ التدرب على الصلاة والوضوء والأمور الأساسية في المعارف الإيمانية قبل دخول المدرسة، والدين بطبعه يؤخذ بالتلقي والتلقين أكثر من التعلم والدراسة، فالأسرة السعودية تربي أبناءها على الدين، وعلى الفضائل للفتى والفتاة قبل دخول المدرسة، كما يجب ألا يغيب عنا المرحلة العمرية للطالب أو الطالبة؛ فالفتاة أو الفتى لا يكلف وجوبًا بأمور الدين إلا بعد تجاوز المرحلة المتوسطة في الغالب الأعم، وما قبل ذلك فكل أمور الدين في حقه ليست واجبة ولا يحاسب على الإهمال أو التقصير فيها، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية التربية عليها من الصغر، ولكن أن تكون مواد الدين مكثفة كما في المناهج السابقة فلا أعتقد أنه مناسب من الناحية التربوية والمنهجية.

أخيرًا، النشء السعودي اليوم بحاجة ماسة إلى ما لا يمكن تعلمه، أو الإلمام بأصولٍ ومبادئ خارج مقاعد الدارسة، فالمعرفة المالية التي أقرت مؤخرًا على سبيل المثال، تحتاج إلى جهد ووقت لتعلمها، سواءً بالتجربة أو بالتخصص، وإقرارها في التعليم العام سيكون له نتائج ممتازة، وربما تكون تهيئة مناسبة لمحاسبين عظام، أو رجال مالٍ وأعمالٍ كبار في المستقبل، وهو الأمر الذي يحتاجه الوطن والمجتمع، وسيعود بأثر رائع على النشء، وهي خطورة رائعة ورائدة، ونطمع بالمزيد.