وكان من أهم المناهج التي دخلت على خطة التعليم السعودي، هو منهج التفكير الناقد، والذي يقوم بتمكين الطلاب من بعض المهارات العقلية، وتدريبهم على ممارسة التفكير الناقد في مواقف مختلفة، ومع أن خطة الوزارة لم تتجه إلى تدريس الفلسفة وتاريخها ونظرياتها وفروعها ومدارسها وروادها، ربما حرصًا على عدم مزاحمة أي معلومات نظرية للجانب العملي في المنهج، وهذا الأمر رغم تفهمي له إلا أنه يجب ألا يدوم طويلًا، فتعليم التفكير الناقد بعيدًا عن الفلسفة، هو انتزاع لهذا الموضوع من سياقه العلمي والمنهجي لأن الفلسفة تعزز الاستعدادات الذهنية اللازمة للتفكير الناقد، وفي مقدمتها الشك المعرفي، وهو ليس بالضرورة الشك الوجودي، بل المقصود به الشك المنهجي، الذي يؤسس لدى الطالب والطالبة أدوات الفرز والترشيح والتحليل، في قبول ما يسمعه ويراه ويفهمه، وهذا يقودنا إلى أمر من الأهمية بمكان، ولا أسمع له أي ذكر، وهو تدريس الفلسفة في الجامعات السعودية، والتي يفترض أن يبدأ بها ومنها في هذا الأمر الحيوي، فلن تتخرج أجيال تعرف دهاليز الفكر والتفكير، وتستطيع التعامل مع مفردات الفلسفة، ومنها التفكير الناقد، بدون كليات وأقسام للفلسفة في الجامعات.
وعودة على منهج التفكير الناقد، فإن الهدف الرئيس منه هو إكساب الطلاب والطالبات مهارة التحليل والسؤال وتحريك العقل، وتوليد الخيال، ومعالجة ندوب المنهج التقليدي المتبع في التعليم بالتلقين والخطاب الواحد الذي غيب البدائل والخيارات المتنوعة، مما أوجد انسدادًا ملحوظًا في خلق الرؤى الصحيحة، والهوية المعرفية والثقافية المناسبة، فعلى مر السنين لا يعرف الطالب والطالبة في المدارس السعودية إلا منهجًا وأسلوبًا واحدًا في التعليم، على الرغم من تعدد المدارس التربوية والسلوكية، ولهذا فالأمل معقود بأن يساهم إقرار منهج التفكير الناقد -كبداية ومقدمة لإقرار مناهج الفلسفة- في تغيير نمط وطريقة تفكير الأجيال القادمة، كما أن الأمل معقود بأن تشمل الجوانب العملية أسلوب حياة الطلاب والطالبات؛ ليقضي على انغلاق العقل وتقوقعه على القديم من التقاليد والممارسات التي أثبتت فشلها، وقادتنا معها إلى الفشل.
وغني عن القول إن أهمية التفكير الناقد تبرز في ظل الثورة الرقمية والتكنولوجيا التي يشهدها العالم اليوم، والذي يتعرض فيه الفرد كل يوم لكمٍ هائل من المعلومات والأفكار المتضادة التي توجهه نحو اتجاهات مختلفة، ولا يوجد لديه وسيلة للتعاطي مع هذا العالم سوى عقله، وبحسب إتقان العقل للتفكير الناقد وتحليل الأفكار وفرزها والمقارنة بينها تكمن النجاة.
ومن جانب أخر، فإن مناهج الفلسفة والمنطق، تدرس في دول العالم العربي، والإسلامي بشكل عام، وحتى لا نكرر الخطأ، يجب أن نستفيد من تلك التجارب التعليمية، لتلك الدول بدراسة مخرجاتها بشكل عميق، ودراسة مدى تأثيرها على المزاج العام والثقافة السائدة، في تحرير الإنسان من أغلال العادة والعرف والتقليد المبني على الخرافة أو الأسطورة، وفي مقدمة ذلك تفكيك تكلسات «الفكر الصحوي»، الذي كان مسيطرًا على العقل السعودي في ظل غياب الفكر النقدي، مما ساهم في تعزيز عوامل التخلف الفكري والثقافي، عبر خلق فجوة ضخمة بين الأصالة والمعاصرة، عن طريق حيازة التأثير على العقل السعودي، وتكسير أي بوادر تحرر في المشهد السعودي من سطوته الحادة.
وهاهنا أحب أن أشير إلى أمرين غاية في الأهمية، نراهما على أرض الواقع، بحكم قربنا واحتكاكنا كأولياء أمور بالعملية التعليمية:
الأول: أنه لا يخفى وجود بعض المعلمين، ممن لا يزال متعاطفًا أو منتميًا للفكر الصحوي وتنظيماته، وحيث إنه يصعب كشف هذا الانتماء والتعاطف، يأتي هنا دور التوجيه بالمنهج الخفي: وهو تعلم الطالب قدرًا كبيرًا من المعلومات والاتجاهات والسلوك والقيم والمعاني بواسطة المدرس داخل المدرسة من مصادر غير المنهج الدراسي الرسمي المقصود أو المخطط له، وبالتالي يتمكن المعلم المؤدلج من نسف كل هذا الجهد، بكلمة تلقى هنا أو هناك، من قبيل: أن هذا الأمر حرب على الإسلام، أو تضييق على الدين، ولا ننسى أن من أهم الأسس العامة (لتعليم/ تدريب) الطلاب على التفكير الناقد، تدريبهم على مبدأ الشك في المعلومة موضع البحث أو النقاش، وعدم الإيمان بأي مسلمات مسبقة، مما يجعل نقد الشبهة موضعًا للشك في صحتها، وكما يمكن أن توضع الشبهة موضع الشك في خطئها، وهنا يجب ألا ندع مجالًا لحدوث مثل ذلك بأي حالٍ من الأحوال.
والدلالة الواقعية على ذلك هو ما حدثني به عدد من منسوبي التعليم، عن شبه قصر لعملية تدريس مادة التفكير الناقد على مدرسي الدين، أو مدرسي اللغة العربية، دون التخصصات الأخرى، وهذا ليس اتهامًا لمدرسي الدين باتباعهم تلك المناهج الحركية المنحرفة، بقدر ما هو تحذير للتحوط والاحتياط، وسيتضح ذلك من خلال الأمر الآخر.
الآخر: وفرت الوزارة فرصة التأهيل بدبلوم التفكير الناقد، عبر الجامعات السعودية، للراغبين من معلميها في تدريس المادة، عبر مشروع: «الاستثمار الأمثل للكوادر التعليمية»، وعلى الرغم من العبء الكبير على المعلم، والمتمثل في الجمع بين التدريس صباحًا، والدراسة مساءً، بدون أي مقابل، وعلى الرغم من عدم حصول المعلم على أحقية النقل -وهي المغري الوحيد-، بحسب إفادة بعض المعلمين -والعهدة عليهم- تأتي المفاجأة أن المعلمين الذين أنهوا الدبلوم، عادوا لتدريس تخصصاتهم السابقة، ولم يمكَّنوا من تدريس مادة التفكير الناقد، الذي ظل في أيدي بعض معلمي الدين الذين لم يتأهلوا بذلك الدبلوم الذي أخذ حيزًا لا يستهان به من ميزانية الوزارة، بل إن بعض المدارس التي نقل إليها المعلمون المستفيدون من الدبلوم لم يسألوا عنه.
أخيرًا، إن كانت هذه المعلومات صحيحة، فنأمل تصحيح الخطأ، وإن كانت غير صحيحة، فلماذا يشكو بعض المعلمين؟!