في 1984ذهبت إلى نيويورك ومعي همومي حول الحرب التي كانت لم تخمد بعد في بلدي، ومعي أيضاً رغبة حادة في الابتعاد قدر الإمكان عن متاعب البحر المتوسط. كـانـت شـوارع نيويورك تبدو لي دائماً أكـثـر إلـفـة مـن شـوارع المدن الأوروبية، لأنها ضاجة وصاخبة كشوارع مدينتي بيروت قبل تدميرها. ولكن نيويورك في ذاك الخريف من 1984، لم تستجب للنوستالجيا التي أحملها، لأن متحفها، «متحف الفن الحديث»، منحني هدية لا توصف هي الشعور بالمصالحة مع الكون الذي أسكنه، الكون الذي كان بعضه يتعرض للقتل وبعضه يزدهر.

كان لمعرض «البدائية في فن القرن العشرين» الذي أقامه متحف الفن الحديث تأثير نافع، هو وضع كل ما كنتُ أعيشه في منظوره الصحيح. فهنا يتخطى إمكان الإبداع الإنساني حدود الجغرافيا ويهزم طول القرون، متعدياً الحضارات وثقافاتها. وبدت لي حقيقة أننا بشر حقيقية أكثر، ملموسة أكثر من الحروب التي أشعلتها مجتمعاتنا والنصب التي أقامتها وما حققته من تقدم أو عدمه.

حفظت في الذاكرة الكلمات التي تشرح المعرض وأردتُ لكل أصدقائي ممن خلفتهم في زاوية الصمود الضيقة التي فرضت عليهم، أن يقاسموني حظي، فأنفقت كل ما في جيبي على شراء نسخ من الكتاب الذي صاحب المعرض، وعدت حاملة معي من النسخ ما سبب لي مشاكل مع الخطوط الجوية بسبب زيادة الوزن.

وأتمنى لو كان ممكناً هنا ممارسة اللعبة التي كنا نلعبها بالكاتالوغات ذات الجزءين التي جئت بها معي، مع بعض الأصدقاء في بيروت. كنا نخفي اسم الفنان ونحاول أن نحزر أي عمل هو من إنتاج فنان «حديث»، وأي عمل من إنتاج فنان «بدائي». كنا نجلس معاً، نطرح أسئلة عن معنى الفن وفضائه، ونتجادل حول علم الجمال وتأثيره التاريخي الاجتماعي أو غيابه. ولأمسيات عديدة كنا ننسى أين تتساقط القنابل ونحس أن الحياة مستمرة خارج حينا الضيق وميليشياته البشعة (هذه واحدة من المرات النادرة التي أستطيع أن أستخدم فيها صفة البشاعة دونما أي تبكيت أو تردد).

كتب كيرك فارنيدو (أحد مديري المعرض): «إن هذا المعرض لا يشهد على القوة الإبداعية للفنانين البدائيين فحسب، وهي قوة تحمل على التواضع بنفيها الإدعاءات الغربية التي تربط الطاقة البشرية الكامنة بالتقدم التكنولوجي. فهو يشرف الفنانين الحداثيين الذين أقاموا، ناسفين تقاليدهم المتلقاة، آصرة بين عقول كانت لولا هذه الأصرة لتنقسم بحواجز اللغة والمعتقد والبنية الاجتماعية...

ويدحض هذا المعرض وهذا الكتاب كل الأفكار عن الحتمية الوراثية أو الاجتماعية، ليحتفي بالطاقة الكامنة التي لا يمكن التنبؤ بها للإبداع الإنساني أينما وجد».

لقد رأى بيكاسو أن النحت البدائي هو ما «لم يتم تجاوزه قط» وأن «تصور الفنان التكعيبي القائل إن هناك شيئاً هاماً علينا أن نتعلمه من نحت القبليين ـ فناً يتعارض ظهوره وفرضياته مع القوانين الجمالية السائدة تعارضاً تاماً ـ لا يستحق

إلا أن يكون هجوماً على قيم الثقافة البرجوازية».

هذه الأقوال سحرتني ورأيت فيها خير تعبير عن مقاربة للفن متحررة مما «تحاملاً كولونيالياً غربياً» أو «نزعة محلية ضيقة»، شاردة عن التقسيم غير النافع بين ما يسمى «فناً رفيعاً» و«فناً وضيعاً». وإذا أردنا أن نستخدم مصطلحاً نصادفه كل يوم، إن لم يكن كل ساعة هذه الأيام، بدا ذلك خير صلة ممكنة بالآخر. وبالنظر إلى هذه الصور يصعب الادعاء بأن بصمة الفرد لا توجد إلا في فن ما بعد التنوير الأوروبي الغربي. فالفنانون الأفارقة لا ينسخون أي نموذج أو يعيدون إنتاج ما رأوه، بل يخلقون عملاً فنياً من فكرة ذات طابع مفهومي. ولعل الفنانين الأفارقة عملوا حرفيين من أجل قبائلهم وطقوسهم، ولكنهم كانوا يتخيلون الصور ويخلقون أبعاداً تجريدية لموضوعهم. فأين يبدأ تأثير الفرد بفرض الفن؟ على الأقل في هذا المعرض أثبت الحداثويون الذين اتهمهم ما بعد الحداثويين بالإيمان بشمولية كونية تتخذ من الغرب وثقته بالتقدم مرجعية رئيسية ينبغي اتباعها، أن الأشياء ليست أبدأ بهذه البساطة وهذا الوضوح. لقد فعلوا ذلك من خلال فنانين مثل بيكاسو وجياكوميتي وميرو.

فالآخر والآخرية والهوية مصطلحات نصادفها طول الوقت هذه الأيام في عالم الفن. وقد تجنب «تحت سموات مختلفة» استخدام أي منها. فهل تعمد ذلك يا ترى؟ أم أنها طريقة لإبقاء المناظرة مفتوحة حول معنى التعددية الثقافية والفن في المنفى أو التقاليد المحلية والهوية؟ المنظمون يستطيعون إعانتنا في هذا المجال. وأنا يعجبني العنوان وإبهامه لأني على اقتناع بأن الإبهام أقرب إلى الواقع (لا أجرؤ على القول إنه أقرب إلى «الحقيقة» لأن هذه الكلمة خلافية للغاية إن لم تكن مخيفة). وليس الأمر سهلاً لأن اللقاء «الآخر» أكان ذلك في الفن والإبداع، أو في القنوات الاجتماعية، كشاف على الدوام. ويكون كشافاً عن أنفسنا أكثر مما عن الآخر. ونحن والآخر إبهام آخر يواجهه الفنانين بحدة شديدة اليوم.

1996*

* كاتبة وفنانة لبنانية «1952 – 2007»