الأطروحات الإعلامية التافهة وإسفاف المحتوى موجودان لوجود متابعيهما، لكن أن نصل لمرحلة العبث بالمعلومة الطبية هذا أمر يجب التوقف عنده. سابقاً كان الأطباء أكثر حرصاً على طرح المعلومة الطبية أو نتائج الدراسات العلمية، أما الآن أصبح الأمر خارج السيطرة لوجود منابر تبحث عن إثارة الجدل، تصدر هؤلاء المتسلقون المشهد.

عندما تتحدث عن أن أغلب الطاقم الطبي أو الصحي يعاني من مشكلات نفسية - بهذه الجملة- فأنت تثير الشكوك بطريقة أو بأخرى على مستوى عملهم وجودته، حيث إن هذا الخبر الذي تصدر قبل فترة إحدى القنوات، اتضح أن قائله يقصد التغييرات النفسية الطبيعية التي تحدث في مجال العمل كالقلق والاكتئاب غير المزمنين، ولن أتطرق لركاكة الدراسة كموضوع أو كمخرجات من ناحية العينة أو الأسئلة العكسية لتقييم صحة النتيجة، فأنا لست متخصصة في دراسة جودة البحوث، ولكن لدي معرفة بسيطة بالتقييم المنطقي، وقد أخذ حقه بالرد من متخصصين وغيرهم.

ما أثار انتباهي قبل عدة أيام تغريدة لرئيس قسم الطب النفسي في إحدى الجامعات المعتبرة، يذكر دراسة على حسابه الشخصي ولم يرفق وجهة نظره، أرفق دراسة بعنوان «علاقة الإيمان بالله بنتائج العلاج النفسي» تم تطبيقها على 159 شخصا فقط، وذكرت الدراسة أنها توصلت إلى أن من يؤمنون بالله يستجيبون للعلاج دوناً عن غيرهم، ما أثار انتباهي هو أساس الدراسة غير العميق، والذي قد أحكم عليه بأنه مؤدلج إلى حدٍ ما، النتائج صحيحة ولكن الربط خاطئ. الاستجابة للعلاج النفسي تحتاج منهج التسليم والاستسلام، الأديان بشكل عام وباختلافاتها تنتهج منهج الاستسلام للإله، وبالتالي المتدينون يمارسون هذا المنهج ويقبلونه، وعليه تكون المقاومة لديهم أضعف من غيرهم، هذا يعني أن الطبيب المعالج سيحتاج جهدا أقل في تغيير أفكاره.


معضلة العلاج النفسي تكمن دائما في مقاومة المريض لتغيير أفكاره الخاطئة والتي هي أساس اختلاله النفسي، وبالتالي الاستجابة تتفاوت بين مريض وآخر، يعتمد ذلك على مهارة المختص المعالج في كسب الثقة وبناء وصفة علاجية جيدة جداً يمكن عبرها إعادة النظر في منظومة الأفكار وتحسينها بالتعاون، لكن بعض الأطباء تستهويه الشعبوية في ملامسة ما يشترك فيه الجمهور الأكبر لاهتمامه بالظهور الإعلامي. نعم اهتماماته حق يحترم، لكن العبث بالمخرجات العلمية غير مقبول.

أخيراً.. إقحام التوجهات الشخصية في الارتكاز على حقيقة علمية يعتبر عبثا علميا وتقنينا فكريا، قس على ذلك جميع المجالات.