أمر آخر، وهو أني أستطيع الجزم بأن أكبر عملية استقطاب تمت للكوادر التنظيمية أو المنتمية للتنظيمات الإرهابية، والتيارات المتطرفة في المشهد السعودي، كانت في أزمة الكويت 1990 وما بعدها، حيث كان هاجس الحرب والموت يقود الناس إلى المسارعة في التدين، استعدادًا للموت، الذي توهموا قربه، واستغل هذا الظرف الدقيق الدعاة الحركيون، ونشطوا في استثماره، فكثرت توبة الفنانين، واللاعبين، ورأينا مشاهير المجتمع حينها قد تغيرت أشكالهم، وألفاظهم، وأعمالهم بشكل جعلهم متدينين أو أقرب إلى التدين، وأضحى هذا الأمر -لاحقًا- سمة مع الأحداث الكبرى، حيث استفاد الحركي من تلك التجربة، وبات يحسن استغلال هذه المخاوف والرغائب لجذب أكبر سواد ممكن من المجتمع.
أمر ثالث، وهو أن غالب الأفكار والقضايا التي قادت إلى التطرف في المشهد السعودي، قائمة في الأساس على التأليب والتجييش ضد الدولة، بسبب المنكرات، وهذه هي الثمة الأساسية والقاعدة التي تقوم عليها عملية استغلال مجموعة كبيرة من المواقف والأحداث، والحراك بها، ومعها، ودائمًا ما يطرح الحركيون بعدها سؤالًا عريضًا وممتدًا، يتكرر في قوالب مختلفة، فحواه: وماذا بعد؟ وماذا نفعل؟ وما الحل؟
وهنا وعند هذه اللحظة فقط، تبدأ عوامل الترويج المبتكرة للفكرة المتطرفة، والتي يتم ترسيخها بشكل بطيء ومستمر في وجدان الفرد السعودي، وتنطلي للأسف على البعض منهم، فيتم الحشد باتجاه ما يريد أولئك المتطرفون تمريره من أفكار، وهذا ملاحظ بقوة من أزمة الخليج 1990، وحتى اليوم، فالوعاء الحاوي للفكرة المتطرفة هو التأليب، ومن خلال التأليب تمرر الأفكار المتطرفة بحسب القضية أو الحدث.
أما الأمر الرابع الذي أشير إليه، فهو أن ثمة عوامل ذاتية في المجتمع تطيل من مدة حياة الفكرة المتطرفة، مثل الفتوى الرسمية المتطابقة إلى حد كبير مع تفاصيل أصولية وفرعية هي من منهج التنظيمات المتطرفة، وكذلك قابلية الفرد السعودي لتقديس كل ما يدور حول التدينات المختلفة، وأيضًا كمية الضخ الوعظي اليومي والأسبوعي الهائلة، والتي تسهم في بقاء الفكرة المتطرفة واستمرار دورانها في موجات خفوت وانتشار، دون أن يتم القضاء المبرم عليها.
كذلك لن نختلف من أن التطرف سبب، والإرهاب نتيجة، أو أن الأول نظرية، والثاني تطبيق، غير أننا يجب أن نفهم جيدًا أنه في الحالة السعودية استطاعت الجهات المعنية سياسيًا وأمنيًا من القضاء المبرم على الإرهاب، ومن هنا فإن جوهر التعافي من التطرف في المشهد المجتمعي السعودي، يكمن في الفصل التام بين ظاهرة الإرهاب، وظاهرة التطرف، ثم بالتالي إيجاد مؤسسات معنية بمعالجة التطرف، تقوم على تطوير برامج فاعلة للسياسات العامة التي تحد من نمو وانتشار التطرف، ووصوله إلى فئات اجتماعية مختلفة، أهمها شريحة الشباب، وهذه خطوة أولى فقط.
والأهم في مسألة التعافي من التطرف، هو وجود مؤسسة دينية، وخطاب ديني مبني في أساسه وصلبه على فضيلة التسامح، والأسهل من ذلك هو إصلاح الخطاب الديني، والمؤسسة الدينية، وغني عن القول إن ما يطرحه الدكتور محمد العيسى في هذا الصدد مثار إعجاب كبير.
أمر مهم آخر، وهو أن انسحاب فكر متطرف معين، لبس يومًا لبوس السلفية ليسهل مروره إلى الناس، حتى تكشف خطره السياسي والأمني، لا يحسن أن يسد فراغ انسحابه فكر متطرف آخر يلبس لبوس السلفية، والولاء، فالسلفية التي عليها القرون الفاضلة، لا تخرج عن إطار التسامح قيد أنملة.
من المهم كذلك في مسألة التعافي من التطرف، ملاحظة أن من يروج للفضيلة المتوهمة غالبًا، مصابون بمتلازمة ازدواجية المعايير، ففي الوقت الذي يروجون فيه لتلك الفضيلة، ستجد أنهم يقارفون كبائر الذنوب كشرب الخمر وغيره، وهذا عامل مهم من العوامل التي تنفر الناس من المتطرف، حيث إن اكتشاف التعارض بين الفكر والسلوك، مدعاة لانفضاض الناس عن هذا الفكر القائم على الإقصاء والكراهية.
ومن المهم أن نعي أن ممارسة الإنسان لحياته العادية، وسعيه في معاشه، دون أن يجعل التدين المرسوم بريشة الواعظ لب حياته، هو من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى نبذ التطرف، فالابتعاد جسديًا وروحيًا عن مظاهر التطرف، أهم خطوات اجتثاث الفكر المتطرف.
وليسمح لي الفضلاء المعنيون بمعالجة التطرف بشكل رسمي، أن أطرح عليهم فكرة غريبة بعض الشيء، وهي أن تبني الفكر المتطرف في بادئ الأمر ليس دافعًا في حد ذاته للانضمام إلى التنظيمات المتطرفة، أو مزاولة التطرف عمليًا، بقدر أن تبني الفكر المتطرف يشكل للمتطرف نوعًا من التمرد على بعض القوانين والقيم الحياتية الطبيعية في المجتمع، الأمر الذي جعل تلك التنظيمات تلتقط هذا التمرد وتطوره من ردة فعل إلى فعل، يبدأ بالعزلة الاجتماعية، والانفصال عن الواقع، ثم التمرد عليه، بعمليات إرهابية، وهذه دورة تعيد نفسها في فترات زمنية متفاوتة، متى ما وجدت ما يغذيها، ويبعث فيها عامل الحياة من جديد.
كما أننا سنجد بفضل الخبرات المتراكمة -متى ما بدأ العمل الجاد على نزع فتيل التطرف- أن تحليل الدوافع التي تحمل الإنسان على التطرف، ومعالجتها، أهم بكثير من المواجهة الفكرية عن طريق الجدال والمناظرات، التي نادرًا ما تفيد، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتدفع المتطرف إلى الحصول على المزيد من المعلومات لدعم أرائه وتأييد مواقفه.
أخيرًا، تصنع التنظيمات المتطرفة معارك بلا هدف، كالصراع مع العلمانية أو الليبرالية، أو مع من يسمونهم دعاة الانحلال، وهذه المعارك في حقيقتها تأليب غير مباشر على الدولة وعلى أعمالها في مجالات الجهود الخارجية مثلًا، أو في مجالات الترفيه والسياحة أو في المجالات الثقافية المختلفة، فتضرب عبر تلك المعارك الوحدة الوطنية، وتهدد أمن المجتمع ولحمته وتماسكه.