هذا المقال ليس موجهًا لإرهابيِّ داعش والقاعدة، أو حركيِّ التيار الإخواني والسروري -وكلهم سواء- بل هو موجه لمن يتبنى التطرف كفكر، وإن قصَّر في السلوك، وهو موجه لأولئك الذين يمشون معنا، ونلتقيهم في المساجد والأسواق والطرقات، أولئك المتعاطفون مع رموز التطرف وأفكاره، ودهاقنة الإرهاب وأعماله، أولئك الذين قد لا تبدو عليهم سمة التدين، فتجده منعم الذقن، محروق الشفاه، يطرب لمحمد أو راشد أو رابح، ويتعصب بكل ما أوتي من قوة لهلاله أو نصره أو اتحاده، أولئك الذين لا يجدون حرجًا مع فتاة لعوب، أو كأس تلهب الحلوق والعقول، ومع هذا وذاك يصفق سمعك بقوله: كله إلا الدين!، حينما تتحدث له عن التسامح، ليأتيه الرد المحرض، من المتطرف القابع في الظل: (كفو، هؤلاء أبناء العقيدة).

ولهؤلاء أقول، الأديان والمذاهب، يجب ألا تحرض على المواقف البغيضة والعداء والتطرف، ولا يجب أن تشرعن العنف وسفك الدماء، وهذه هي القيمة الأولى التي يجب أن يدركها كل منتمٍ لدين ما، وكل متمذهبٍ بمذهب ما، غير أن الفكر المتطرف انتهك هذه القيمة (التسامح)، في مقابل تنزيه التطرف، وهما أمران -التسامح والتطرف- نقيضان كالليل والنهار، إذا حل أحدهما ارتفع الآخر.

إن من أقبح ما فعله المتطرفون في عقول الناس، وذهنية المجتمع، هو قلب دلائل التسامح في الدين، لشرعنة تطرفهم، وأول مثال على ذلك: جعل الكفر، ومغايرة الدين، سندًا لسفك الدم، وممارسة التحقير والإذلال، على أن الله -تعالى- رسخ في عقول أهل الإسلام، أن الديانات السماوية تستقي من معينٍ واحد، وأنَّ الأنبياء إخوة، لا تفاضل بينهم من حيث الرسالة، ومن حيث الإيمان بهم، فقال تعالى: (شرع لكم منَ الدِّين ما وصَّى به نوحا ًوالذي أوحينا إليك وما وصَّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أنْ أقيموا الدِّين ولا تتفرقوا فيه).


ومثال ثانٍ: الإكراه على الدين وفروعه، والإكراه على الإيمان بعقيدة دون أخرى، وإلا القتل والقتال، والله تعالى يقول: (لا إكراه في الدِّين قد تبيَّنَ الرُّشد منَ الغَيِّ فمَنْ يكفر بالطاغوت ويؤمنْ بالله فقد استمسكَ بالعروة الوثقى لا انفصام لها).

وثالث الأمثلة: تفجير أماكن العبادة، كالكنائس، والمساجد التي يرتادها المخالف طائفيًا، بل وصل التطرف حدًا أن يفجروا مساجدهم التابعة لهم، بسبب الخلافات، والله تعالى يقول: (ولولا دفعُ الله الناسَ بعضهم ببعض لهدِّمتْ صوامعُ وبِـيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يذكَر فيها اسـم الله كثيرا).

ومثال رابع: حينما ينظر للمختلفين عقائديًا أو المختلفين ديانة، أنهم كالأنعام بل هم أضل، ويستشهدون بآيات في غير موضعها، ويتناسون آيات أخرى حثت على احترام الآخر المختلف، والله تعالى يقول: (ولا تجادلوا أهلَ الكتاب إلا بالتي هي أحسن)، ويقول: (وطعام الذين أوتوا الكتابَ حلٌّ لكم، وطعامكم حلٌّ لهم).

والأهم من ذلك كله، أنه يجب ألا توجد عداوة بين المسلمين وبين غيرهم، لمجرَّد كونِهم غير مسلمين، ويجب تركَ هذا الأمر للرب تبارك وتعالى ليفصل فيه يوم القيامة، يقول الله تعالى: (وقالت اليهود ليست النَّصارى على شيءٍ، وقالت النَّصارى ليست اليهود على شيءٍ، وهم يتلون الكتاب، كذلك قال الذين لا يعلمون مثلَ قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) وقال تعالى: (إِن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن اللَّه يفصل بينهم يوم القيامة إِن اللَّه علىٰ كل شيء شهيد)، فديانات البشر ومعتقداتهم ومذاهبهم، الحكم والفصل فيها لله، وموعد الفصل يوم القيامة، وليس في الدنيا، فليس لأحد أن يدعي أحقية إنزال حكم الله على المختلف دينيًا.

عمومًا، التسامح هو الاستعداد لاتخاذ الموقف المتسامح، ولا يمكن أن يُعَدَّ التسامح فضيلة إلا عندما يمكن للمرء ألا يكون متسامحًا، ولا يمكن أن نتحدث عن موقف متسامح في حال شخص يضطر، وهو في موقف ضعف، أن يتسامح، فالتسامح هو موقف القوي والواثق من نفسه.

ويكتسب التسامح أهمية خاصة إذا كان للناس ذوي القناعات الدينية والأيديولوجية المختلفة أن يعيشوا معًا في مجتمع واحد، فالمجتمع الإنساني ينطوي على درجة كبيرة من التباين في الأعراق والأجناس والأديان والقوميات التي تحمل قيمًا ومعتقدات تؤدي إلى ثقافات مختلفة، فلا يجوز أن يُنظر إلى اختلاف الجماعات البشرية في أعراقها وألوانها ومعتقداتها ولغاتها على أنها تمثل حائلاً يعوق التقارب والتسامح والتعايش الإيجابي بين الشعوب.

كما أن أساس التسامح الأول، هو التعرف والتعارف، وهو الخطوة الأولى نحو التآلف والتعاون في جميع المجالات، ومن هنا يجب أن نفتح أذرعتنا للشعوب، ونجعل قلوبنا مشرعة للعالم، وبهذه الخطوة، يمكن تحويل مبدأ التسامح إلى أسلوب للحياة، وحتمية للبقاء، وليس مجرد خيار هامشي، الأمر الذي يمكن أن يحول التنوع والاختلاف الثقافي إلى جدار صلب ضد التطرف والإرهاب والطائفية والعنصرية.

وغني عن القول، إن رؤية السعودية 2030، تلعب دورًا متقدمًا في ترسيخ التسامح؛ من خلال تعزيز التعايش والحوار الحضاري المشترك، عبر جميع برامجها، فمفهوم التسامح في رؤية السعودية 2030 هو أسلوب حياة، وقيمة وجدت طريقها في العمل المؤسسي المستدام، بشكل مباشر، وشكل غير مباشر، عبر التقنين وتشريع القوانين والسياسات التي تتعلق بقيم التسامح والحوار، وتقبل الآخر والانفتاح على الثقافات المختلفة.

ولا يفوتني أن أشدد على أن التسامح الديني والاعتدال وفق أطر مدنية وخطابات دينية معتدلة هو الجدار العازل -كما ذكرنا آنفًا- أمام مخططات الهدم ومناهج التطرف وخطابات الإرهاب الملتوية، ولا يمكن للتسامح والسلم أن يؤتي أكله إلا عبر حزمة من الإجراءات التشريعية والقانونية الصارمة، التي تعزز هيبة الدولة وسيادة النظام وقوة القانون، ثم بنشر ثقافة التسامح عبر تفعيل المؤسسات البحثية، والمؤتمرات والندوات؛ لتعميم حالة السلم والحوار المشترك، وتجريم الكراهية ومكافحة التمييز.

أخيرًا، الإسلام المبكر احتضن التعايش وعزز قيم التسامح قبل أن يجري اختطافه على أيدي المتطرفين الذين شوهوا الإسلام عبر التاريخ، وبلغ هذا التشويه ذروته حينما نشأ الإسلام السياسي الذي أفقد الإسلام والمسلمين أعز ما يملكونه، وهو الإيمان بالاختلاف والحق في العيش المشترك دون تمييز ديني أو طائفي.