شاهدنا مقابلة لأحد السياسيين الأوربيين، يتحدث عن أوروبا والعالم وحرب أوكرانيا، واعترف أن مرحلة السلام المؤقت ما بعد الحرب العالمية الثانية 1945 إلى الوقت القريب، كانت مرحلة استثنائية مؤقتة في أوروبا والعالم، وأن العالم الحقيقي يعتمد على الواقعية والتنافس والحروب وصراع القوى.

اعتقد الأوربيون لجهل أو لعدم واقعية أن العالم تغير، وأن كل شيء يحل بالمفاوضات، وأن دعوات المجتمع الدولي والأمم المتحدة غيرت العالم، وكانوا ينعمون بالحماية الأمريكية، ويعيشون ببرج عاجي عن بقية العالم، إلى أن استيقظوا على الواقع المرير، وليس مريرا بمعنى الكلمة ولكن واقعي، كنا نقول للأوربيين أنتم الآن في مرحلة عابرة ولستم واقعيين ولولا الحماية الأمريكية لشاهدنا الروس يتمشون في وسط أوروبا، وكنا نقول لهم وصلتم من الضعف لدرجة أصبحتم جمهوريات موز دون قوة على الصعيد الدولي، والبعض كان يظننا نبالغ، وحتى عندما قال لهم ترمب يجب أن تنفقوا على دفاعكم وتسليحكم وأمريكا لن تبقى حارسا لكم للأبد، كانوا يستهزؤون بترمب مع أن طلبه كان بسيطا وهو أن كل دول الناتو ترفع إنفاقها الدفاعي إلى 2% من دخلها القومي. جاءت حرب أوكرانيا ووضحت هشاشة أوروبا لدرجة أنها لا تستطيع أن توفر لشعبها أبسط مقومات الحياة ! اكتشف كثير من الأوربيين أن كلمات ترمب وغيره الذي كانوا يظنون أنهم أذكى منه، أنها كانت حقائق، واكتشفوا أن شعارات اليسار الأوربي (لا توكل عيش)، ولا تفيد لمقومات الحياة، هي شعارات جوفاء لعالم خيالي !

انقسم الأوربيون إلى قسمين الآن، قسم صحا ووعى على الحقيقة وبدأ يراجع نفسه. والتاريخ والسياسة الواقعية والأرقام تثبت أن العالم الواقعي لا تستطيع عيشه بشعارات اليسار الفارغة ! لو رجعوا للتاريخ القريب لوجودوا أنه في قرن واحد من بداية 1900 تقريبا إلى حوالي 2000 كان هناك حوالي 265 حربا ونزاعا ! قتلت أكثر من 200 مليون شخص!


التاريخ البشري واضح جدا (إن الحرب هي الثابت وفترات السلام هي الاستثناء !).

لكن هناك فئة ثانية من الأوربيين ما زالت على غيها وبرجها العاجي، وما زال لديها انفصال عن الواقع ! مثل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الذي وصف (أوربا بالحديقة ومعظم العالم غابة!)، أي حديقة يا أبو حديقة ! الحديقة التي ما يقدر شعبها أن يتدفأ بالشتاء أو التي بعض الشعب قد يموت جوعا من عدم وجود الغذاء الكافي ! أو الحديقة التي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها لولا الحماية الأمريكية والبريطانية، ترى أغلب من شال حمل وتكاليف الحرب الأوكرانية أمريكا وبريطانيا، وكلاهما ليس أوربيا ! ودول الاتحاد شبه متفرج ! لولا الحماية الأمريكية يا أبو حديقة لرأيت حتى القراصنة الصوماليين ربما طمعوا بأوروبا ! هذا الذي ينطبق عليه عائل مستكبر !

وبما أن الأوربيين الآن في مرحلة الصدمة والإنكار، فالأفضل لهم أن يلموا شتاتهم، وأن يتعلموا الواقعية السياسية ويتركوا النفخة الكذابة والغرور، ونقترح عليهم بشدة أن يرموا بالزبالة كل شعارات اليسار والنظريات السياسية التي وضعها اليسار ويرجعوا إلى الأسس الصحيحة للسياسة، وليعلموا الجيل الجديد من السياسيين مبادئ السياسة الواقعية وخصوصًا على رأسها (الواقعية الجديدة) نيوريالزم، لعلهم يفلحون في إدارة القارة العجوز وترك هراء أبو حديقة !

ولا أرى مانعا أن يضع السياسيون الأوربيون باقات الورد على قبر المعلم والأستاذ والأب الروحي للسياسة الواقعية الجديدة البرفسور كينيث ولتز كلما زاروا أمريكا، لعل وعسى تنصلح أمور سياساتهم ويتعلموا مبادئه وينزلوا من أبراجهم العاجية ويتعاملوا مع بقية العالم بواقعية !