وصف «جزيرة دارين وَتاروت» الذي اعتمد مؤخرًا مع الإعلان الرسمي عن الخطة التنموية، لهذا الإقليم جلب على هامشه الكثير من النقاشات حول التغيرات التي تطرأ على المواقع الجغرافية، وأشكال إعادة التسمية التي كانت بداياتها قبل أعوام قليلة، حين جرى وصف دارين بالجزيرة في اللوحات الإرشادية، نزولًا عند رغبة أهلها الذين اشتكوا من تهميش هوية المكان، وهو وصف جغرافي لا يحمل الكثير من الشهرة في رأي البعض، على اعتبار أن شهرة المكان كانت وما زالت في صورة ساحله الذي يختزن تواريخ بعيدة من أشكال التواصل مع العالم عبر سفن الصيد والتجارة، قبل أن تنتهي أخيرًا إلى دمج الاثنين ضمن مسمى واحد للإشارة إلى تاروت التاريخية.

مرسى دارين الذي ما زالت تنادمه القوارب والسفن هو الشاهد الحي على طبيعة المكان وكثافة حضور البحر فيه، هو المستند الأقوى لأي إشارة تحيل لهوية هذه الأرض وناسها، لذلك لم يتشابك المتساجلون حول هذا الشأن في المرة الأولى لتسميتها جزيرة، هم يعرفون أحوال المد والجزر فيها، ويحفظون صور المراكب التي لا تغادرها، هم فقط يتعثرون بأطراف الخريطة ساعة يبحثون عن أصل هذا المقترح الجغرافي الجديد في وصف الموقع، فالجزيرة ليست سوى يابسة محاطة بالماء من كل اتجاه، أي أنها منقطعة عن سواها، وهذا ما يجعل من «دارين» كجزيرة محاطة بذخائر الأسئلة عن أصل الوصف، وقيمته، وجذوره التاريخية.

والأسئلة هنا ليست لغوية بقدر ما تتصل بجغرافيا المكان وتاريخه، أي أنها مشغولة بالخصائص الطبيعية لهذا الساحل وتحولاتها، وتدوينات المؤرخين والبلدانيين عنها وحولها، حيث الاعتقاد السائد بأن تاروت هي التي استعارت عباءة الجزيرة في المدونات، واختارت أن تقف منفردة في انحسار الماء، منذ تراتيل السومريين في معبد عشتار، وقبل أن ترتبط بجسد المدينة الأكبر عبر جسور عدة كانت بمثابة الدعوة الصريحة لنسيان صورة الجزيرة.

بالأمس كانت الجزر مقدسة، حتى قال البعض إنها نالت لأجل ذلك أسماء الآلهة، كما في أوال وتاروت، إلا أن وصف الجزيرة اليوم لا يمنح جسد المكان امتيازًا اجتماعيًا أو حتى بيئيًا، هو في أفضل الأحوال يجعل بينه وبين البلدات المحيطة به مسافة متخيلة، وربما يحرس له ذاكرته المبتلة بالماء، وفي دارين يحتمل الوصف وظيفة تجميلية، ورغبة للتلويح بشظايا من ذكريات تسللت من دفاتر العابرين، فدارين الموغلة في التاريخ هي رأس الجزيرة، جزيرة تاروت، وكانت أول ما يطل عليه العابرون بحرًا، الأمر الذي دفع البعض منهم قديمًا لإطلاق وصف جزيرة تجوزًا على مرفأ دارين.

ولعله من باب الاستدراك، أو التطوير، أو التنويع، لا نعلم، جاء الوصف الأخير ليزيح الوصف الأول، فلم يعد لدينا جزيرتان كما في السنوات الأخيرة، تم إلغاء المسافة بين الاثنين، ليصبح المكان هو «جزيرة دارين وَتاروت»، لا أحد فيهما يستأثر بالعلاقة مع الماء واليابسة، ولا بالطيور المهاجرة، كلاهما اختص بملامح الجزيرة، بماء الذاكرة، بما أرخت له سفن التجارة والصيد على حد سواء، البلدة الصغيرة كبرت ثانية في مرايا الوقت ومرايا السياحة، وصارت تشاطر الجزيرة الأم كل شيء على الخريطة، وهو ما فتح الأفق ثانية للسؤال عن جغرافيا الأسماء، وكيمياء الأوصاف، وكل ما تنتخبه الاجتهادات في نعت المكان.

والحال أن دارين وتاروت مكان واحد، وذاكرة مشتركة، ومستقبل واعد لإقليم يحتوي عددًا مهمًا من البلدات، وكان بالإمكان الاتكاء على الجغرافيين والمؤرخين في تسمية الأشياء، وفي رسم خرائط الماضي والمستقبل معًا، لكي لا ينشغل الناس في البحث عن تفاسير وأقاويل، ونسيان الوعود الجميلة والمليارات التي تحيط بمستقبل الجزيرة، فحتى الأسماء هي تمائم للمكان، يحرسها الناس، ويشعلون الضوء حولها لكي لا تنطفئ، لأن قلوبهم مكتظة بذكرياتها، وأحلامهم منثورة فوق حروفها، فإذا نسيها الوقت راحوا يقرؤون عليها من كتب الأمنيات، لكي لا تنام طويلا!.