قد يتفاجأ البعض عندما يعلمون أن السياسة في الشرق الأوسط، وخاصة في الخليج العربي، تشبه إلى حد ما المناقشة بين النباتيين وآكلي اللحوم الحيوانية!

ننتمي جميعًا تقريبًا إلى واحدة من فئتين، نباتي أو آكل للحوم (آكلو لحوم الأنعام التقليديون)، لكن الأشخاص في كل فئة لديهم أصدقاء أو أفراد من العائلة في الفئة الأخرى. عادة، في المناسبات الاجتماعية أو العشاء، لا يؤثر ذلك في التواصل والعلاقات، حيث يحترم كلا الطرفين الآخر. لم يحدث أبدا أن أخبرني أحدهم أنه قطع علاقته بفلان لأنه من فئة طعام مختلفة، وقد تجد علاقات مماثلة حتى بين الزوجين أو الوالدين: أحدهما نباتي والآخر آكل للحوم، وقد يختار الأطفال مسار أحد الوالدين أو الآخر دون مشكلة.

نفترض خياليًا أن النباتيين يقاطعون آكلي اللحوم ويتهمونهم بالسادية؛ لأن النباتيين يعتقدون أن قتل الروح الحية وتناولها عمل شنيع ضد الحياة والقيم الإنسانية، على الرغم من توفر بدائل غذائية، فهم يسعون إلى تجريم تناول اللحوم ويفضلون فرض حظر عالمي عليها، هل هذا منطقي!

سيضع النباتيون معيارًا معينًا، معتقدين أنهم يمتلكون الحقيقة وأن لهم الحق الأخلاقي، وأن أولئك الذين يتعارضون معهم هم ضد الحقيقة والإنسانية.

بغض النظر عن مدى عقلانية هذا المفهوم أو تطبيقه، فقد لفتت انتباهي الدعوات الأخيرة من قبل بعض اليساريين لمقاطعة الأنشطة والفعاليات في السعودية والخليج، يطالبون بمقاطعة أنشطة الإصلاح والترفيه والرياضة لأن لديهم تحفظات على عوامل أخرى. ببساطة، يساري بمكان ما في العالم، يطلب من الناس مقاطعة المهرجانات والبطولات والاستمتاع الذي يعيشه مئات الآلاف من الخليجيين العاديين، لأنه لا يحب بعض تصرفات الحكومات الخليجية مثلا؛ ناهيك مثلا عن أن الشعب السعودي يستمتع بهذه المهرجانات بحماس منقطع النظير بعد حرمانه منها لعقود. يريد هؤلاء المدافعون عن المقاطعة أيضًا من الموسيقيين والمشاهير والرياضيين والمؤثرين، مقاطعة المهرجانات والفعاليات على الرغم من أن معظم الحاضرين هم أشخاص عاديون يريدون الاستمتاع.

إذا قاطع اليساريون أنفسهم أي بلد بقوانين لا يحبونها، فإنهم سيقاطعون معظم العالم، وهذا يتعارض مع مبدأ التواصل والتبادل الثقافي بين الشعوب.

من خلال ذلك أيضا سنرجع للنقطة ذاتها، سيضع النباتيون معيارًا معينًا، معتقدين أنهم يمتلكون الحقيقة، وكمثال هم ينتقدون أحكام الإعدام في الخليج، وخصوصا الأوربيين منهم، بل أدخلوا مواضيع مختلفة ببعضها مثل حظر الإعدام من أجل رفع (الشنغن) عن بعض دول الخليج، لكن العديد من دول العالم تنفذ عمليات إعدام، ولا أرى أي شخص يدعو إلى مقاطعة مهرجاناتهم الموسيقية، ولا معنى لذلك، على سبيل المثال، لا يقاطع الناس مهرجان الجنوب الغربي في أوستن لأن ولاية تكساس لديها عقوبة الإعدام.

ينظر بعض اليساريين في العالم الغربي إلى الأشياء جزئيًا أو ربما بماضي الوقت، وبعض الصحفيين اليساريين لديهم بالفعل تحيزهم الذي يضخم بما يبدو وكأنه غرفة صدى، تصبح أحكامهم تلقائية، ولا يلاحظون التغييرات التي تحدث في بلد مثل السعودية وبقية دول الخليج. فتحت السعودية حدودها للعالم للتواصل والمشاركة بشكل صحيح، وقد حان الوقت لأن يلاحظها العالم.

الخطوة المنطقية التالية هي محاولة التواصل ومراقبة الواقع بدلا من السعي إلى مقاطعة عديمة الفائدة.

من الناحية الواقعية، لكل دولة في العالم نظرة محددة إلى الأنظمة السياسية والقيادية القائمة على التاريخ والثقافة والمبادئ السياسية. تختلف هذه المكونات من بلد إلى آخر، وما يصلح لأحد قد لا يكون مناسبًا لبلد آخر. ومع ذلك، توجد قيم إنسانية عالمية، وبالتالي يجب أن نركز على ما يوحدنا، وليس المقاطعة بسبب بعض الاختلافات بين الأمم والحضارات.

يتعين على بعض اليساريين مغادرة عالم الأحلام، والنظر إلى الواقع، والتعامل مع الأمور، كما يعامل النباتيون أصدقاءهم وزملاءهم الذين يأكلون اللحوم الحيوانية؛ كل منهم حر في اختياراته، وليس هناك إكراه أو انتقاد مؤذ للآخرين بسبب هذه الاختلافات. فيما يتعلق بالمقاطعة من قبل الأشخاص الذين لا يتفقون مع بعض القوانين، لا نريد أن يتصرف اليساريون المتطرفون مثل الآباء النباتيين الذين يجعلون أبناءهم يتضورون جوعا حتى الموت بإجبارهم على تناول نظام غذائي نباتي نيء.