ربما تكون «أولاد حارتنا»، أكثر رواياتي إثارة للأزمات والجدل، وهذا الأمر لا يتفق مع حسن النية الذي كان وراء كتابتي لهذه الرواية، وأعترف بداية أنني اخترت أسماء الشخصيات موازية لأسماء الأنبياء، وجعلت من المجتمع انعكاسا للكون، وكنت أريد بذلك أن تكون القصة الكونية غطاء للمحلية. وبلغ من حسن نيتي أنني فكرت في كتابة مقدمة للرواية أشرح فيها وجهة نظري، لأنني كنت أحسب أن من يقرأها سوف يقرأها قراءة صحيحة. ولم أقدر أن حسن النية عندي سوف ينتهي بوجود مفاتيح سهلة في أيدي الجماعات المتطرفة للطعن في الرواية وصاحبها.

كنت أظن أن الناس ستقرأ الرواية من منطلق هذه الرؤية الشاملة، وهل هذه الشخصيات التي تقدمها الرواية هي شخصيات خيرة أم شريرة؟ وهل تقوم بأدوار البطولة أم بأدوار ثانوية؟ فإذا كانت تلك الشخصيات خيرة، وتقوم بأدوار البطولة فإن التفسير الموضوعي يؤكد أن مؤلفها ليس ضد الأنبياء، وليس لديه النية للإساءة إليهم. وللأسف فوجئت بتفسيرات غريبة للرواية، فقد طابقوا بين الأنبياء وأبطال الرواية، لدرجة أن أحدهم قال لي إنني جعلت أحد الأنبياء «بيحشش وماشي حافي»!، ودخلنا في جدل عقيم وصل إلى حد الإسفاف، ولم أحسب مطلقا أنني سوف أتعرض لشيء من ذلك عندما كتبت الرواية.

المغزى الأساسي لرواية «أولاد حارتنا» «هو أنها حلم كبير بالعدالة وبحث دائم عنها، ومحاولة للإجابة عن سؤال جوهري: هل القوة هي السلاح لتحقيق العدالة أم الحب أم العلم ؟».


الذي دفعني لكتابة هذه الرواية، وهي أول رواية أكتبها بعد قيام ثورة يوليو، هو تلك الأخبار المتناثرة التي ظهرت في تلك الفترة- حوالي عام 1958- عن الطبقة الجديدة التي حصلت على امتيازات كبيرة بعد الثورة، وتضخمت قوتها.. حتى بدأ المجتمع الإقطاعي الذي كان سائدا في فترة الملكية يعود مرة أخرى، مما ولد في نفسي خيبة أمل قوية، وجعل فكرة العدالة تلح على ذهني بشكل مكثف، وكانت هذه هي الخميرة، الأولى للرواية.

بعد «أولاد حارتنا» وجدت نفسي مدفوعا إلى كتابة القصة القصيرة. وفي هذه المرة لأسباب مختلفة عن تلك التي واجهتني في مقتبل حياتي ودفعتني لكتابة القصة القصيرة. ففي المرة الأولى كتبت القصة القصيرة بسبب يأسي من نشر رواياتي. ووجدت أن أسهل طريقة للنشر هي كتابة القصة القصيرة وإرسالها إلى الصحف والمجلات المهتمة بنشرها، ولم تكن كتابتها عندي نتيجة ميل أصلي إليها. أما في هذه المرة فقد شعرت بدافع فني وفكري وروحي نحو القصة القصيرة، ولو سألتني عن أسباب هذا الدافع لقلت إنها أسباب غير محددة بالضبط، وهي في العموم نفس الدوافع عند أي أديب لكتابة القصة القصيرة.

ومن القصص التي كتبتها في تلك الفترة، قصة بعنوان «الخوف»، وتدور أحداثها حول مجتمع يحكمه الفتوات، فيصل إليهم (ضابط) يهزمهم ويتغلب عليهم، ويغير ملابسه الرسمية بأخرى مدنية، ويجلس مع الفتوات على المقهى، ويعيش معهم نفس حياتهم، ويخطف منهم في النهاية الفتاة التي يتنازعون عليها. لم يجد القراء صعوبة حينما قرأوا القصة في فهم ما كانت تهدف إليه من اعتراض واضح على أساليب الثورة الديكتاتورية، وأن الفتوات هم رمز للقوى السياسية والأحزاب التي كانت تتصارع على السلطة قبل الثورة، وأن هذا الضابط الذي جاء وهزمهم وخطف الفتاة منهم هو جمال عبدالناصر نفسه. وكانت القصة في مجملها نقدا صريحا للأسلوب غير الديمقراطي الذي اتبعه فى الحكم. ومن خلال الهمس الذي سمعته بعد نشر القصة على صفحات «الأهرام» شعرت أنها سببت رعبا للمسؤولين فى الصحيفة، وسببت لي أنا الآخر رعبا على المستوى الشخصى. فعندما كنت أسير فى الشارع كان يعترض طريقي بعض الضباط ويسألونني عن مغزى القصة، ومن هي الشخصية الحقيقية التي أرمز إليها بشخصية الضابط؟! استطعت الهروب من هذا المأزق بحيلة طريفة، ففي تلك الفترة كانت قصة الضابط أبو زيد أشهر من نار على علم، حيث استعانت به الدولة- قبل الثورة- لتأديب المجرمين في الصعيد وأثبت كفاءة عظيمة، وعندما وقعت خناقة الفتوات في الحسينية ودخول الفتوة (كامل عرابي) السجن بعد الثورة تم نقل «أبو زيد»، إلى «الحسينية»، لتأديب الفتوات، وأصبح أشهر ضابط بوليس في منطقة الحسينية، لقد شاهدت «أبو زيد» مرة واحدة وهو يجلس على قهوة عرابي وكان الرجل ضخم الجثة، وأصبح شكله العام مثل الفتوات تماما.

وعندما كان يعترض طريقي أحد الضباط ليناقشني في قصة «الخوف»، ويسألني عن الشخصية الحقيقية وعما إذا كنت أقصد بها جمال عبد الناصر، كنت أبادره بالسؤال: هل أنت من الحسينية؟ وأشرح له أنه إذا كان ممن يعيشون في الحسينية أو قريبا منها، فإنه حتما سوف يعرف الشخص الذي أقصده، وهو الضابط «أبو زيد» الذي كان مشهورا هناك.

وفي كل مرة أتعرض فيها لهذا الموقف كان يدور نفس هذا الحوار، وفي كل المرات كان صاحب السؤال يقتنع بوجهة نظري وتفسيري للقصة، أو يتظاهر بالاقتناع.

1989*

* كاتب وروائي مصري «1911 – 2006»