تمسرح دريد لحام خارج الخشبة أنزلَ فعلَ المسرحة التاريخية من سماءِ تموز، إلى الأرضِ، فجعلها هي المعيار، ومصدر أفعالنا ونتائجها؛ لهذا ركّزتُ ــ تحديدًا في المقالات السابقة ــ على أنَّ فكرَ دريد تَشكَّل في سياق اشتراكي قومي، ثم ــ الأهم ــ في ظلِّ رأسمالية الدولة، ومفهومها عن الفكر والنقد. ولتوضيحِ ذلك لا بدَّ أن نُشير إلى أنَّ تطورَ تاريخ المسرح السوري انتظمَ في الخمسينيات والستينيات بثلاثة اتجاهات هي: الاتجاه الخطابي العاطفي، والاتجاه المثالي الإنساني، والاتجاه الواقعي الانتقادي. وهذا الاتجاه الأخير -الذي يمثّله سعدالله ونّوس- قام على كشفِ بعضِ القضايا السياسية، كمسرحيةِ (حفلة سمر من أجل 5 حزيران)، وقد كانَ سعدالله ونوس يرى أنَّ السياسةَ ملازمة لمفهومنا عن تاريخنا الوطني الكبير يقول ــ بعد أن عُرضت مسرحيته «... يخرج الناس كما يخرجون من أي عرضٍ مسرحي، يتهامسون أو يضحكون أو ينثرون كلمات الإعجاب، ثم ماذا؟ لا شيء، لا الصالة انفجرت في مظاهرة، ولا هؤلاء الذين يرتقون درجات المسرح ينوون أن يفعلوا شيئًا؛ إذ يلتقطهم هواء الليل البارد عندما يلفظهم البابُ إلى الشارعِ حيث تُعشش الهزيمة، وتتوالد».

لم تكن نظرة سعدالله ونوس ــ هنا ــ فنية، بل أيديولوجية مباشرة، وذلك لأنه يرى أنَّ حركة الحياة تبتدئ من البحث عن مشكلات الطبقات الاجتماعية الفقيرة الممتزجة بالوعي الاجتماعي السياسي، فلم يرضَ أن يفصل بين ما هو فني وما هو سياسي، وربما لأنه يعتمد بتقنيته الكتابيّة على تراثِ الشكل الارتجالي، بعد أن هَذّبه من الموروث، وأعطاه صبغة درامية.

هذه المسرحية فتحت البابَ للمسرحِ السياسي الموجَّه بصورةٍ مباشرة للأسباب. من هنا يمكن أن نفهم انطلاقة دريد في السبعينيات، مع الماغوط، وهي المعبرة عن المستوى الأول الذي فيه اختلاط رؤية دريد بغيره، لكنَّ الجامع بينهما هو الفعل السياسي على خشبة المسرح، ثم تَنبَّه دريدُ لأنَّ ما يفعله مع الماغوط فيه تداخل السياسي بالوطني، فجاءت مرحلته الثانية التي انفصل بها عن الماغوط؛ لهذا شعر دريدُ بفرحٍ غامضٍ، لما تخلَّص من الماغوط، إذ أسّسَ ما كان يصبو إليه، وقد تجلى ذلك في المستوى الثاني؛ مسرحيةِ صانع المطر. وسيكون رأيه النهائي بأنَّ ما هو وطني هو عمل فني بالضرورة، على أساس أنه ينزع من معاني الأرض القيمَ الموضوعية، أما السياسة فستُكسّر البنى الفنية بالضرورة، وهنا افتراق دريد عن سعدالله ونوّس فكريًا.

ومن هنا ظُنَّ أنَّ دريدًا خانَ الوطن حين تخلى عن ثورة الشعبِ السوري عام 2011، وهذا ليس دقيقًا كما نلحظ في التنظير، بل دريد ضد هدم النظام، مما يُنتج الفوضى ــ كما يراها ــ وأنَّ المطلوبَ هو إصلاح ممارسات النظام. يقول ــ في لقائه بقناة الشرقية نيوز «أعمالي ليست سياسية، بل وطنيّة، لأنَّ السياسةَ منهجٌ لخدمةِ الوطن، لهذا قد تجد أحزابًا لكلِ واحدٍ منها منهجه السياسي، الذي قد يُصادم الآخر. أما أنا في عملي فلا أنقد النظامَ، بل أنقد ممارسات السلطة، لأنَّ النظامَ ضد الفوضى، ولأنَّ المواطنَ لا بد أن يتمتع بالعناصر الوطنية: (حرية، عدالة اجتماعية، كرامة) وأفهمُ العدالةَ الاجتماعية بأن يكون الناس كلهم في المستوى الاقتصادي نفسه».

وهذه المعاني اكتسبها دريد ابتداءً من مفهوم الاشتراكية زمن الوحدة، ثم النظام تحت اقتصادية رأسمالية الدولة، ولما وجد أنَّ الممارسات لا تَنفذ بأيَّ شكلٍ إلى هذه القيم، اتجه إلى التفريق المثالي، وتنازل عن واقعيته، لدرجة أن يُفرغَ لفظ النظام من مضامينه، ويعطيه معنى مجردًا، ولهذا فعمل دريد في المسرح سياسة، طالما أنه يعرف السياسة بأنها منهج لخدمة الوطن، ولكنَّ الفرق بينه وبين الأحزاب أنَّ عملَهم للتنفيذ المباشر، وعمله لعرض الانتقادات المضمنة طلب تلافيها. أي أنه لم يحدد ــ بدقة ــ متى يكون النصُ المسرحيُّ وطنيًا فنيًا، ومتى يكون سياسيًا طالما أنه مستمر في أعماله بنقد ممارسات السلطة.

هنا أرتكز على معنى الذاكرة عند دريد، إذ لمسرحية (صانع المطر) حكاية خاصة تعود إلى شخصٍ من قرية مشغرة ــ وهي قرية أمِّ دريد ــ يَدعونه (قيصر) يُعاني من اعتلالٍ دماغيّ. كانَ دريد يذهب ــ وهو طفل ــ إلى هذه القرية، فيتأمل فعلَ قيصر العجيب، حيث يأخذ مبلغًا ماليًا من أهله، فيشتري به شوكولاتة، ثم يذهب إلى الحاكورة (الحقل الصغير الواقع بين البيوت)؛ فيحفر الأرضَ ويدفن الشوكولاتة، ثم بعد أن يذهب، يُخرج الأطفالُ ــ دريد وأصدقاؤه ــ هذه الشوكولاتة ويأكلونها. ثم بعد أيام يسأل أهلُ القرية قيصرَ: هل خرجت شجرةُ الشوكولاتة؟ فيجيبهم: «لم يأتِ المطرُ بعد؟» واستمرّ يجيب بهذه الإجابة لسنين طويلة دون كللٍ أو ملل.

هذه الشخصية هي نواة مسرحية صانع المطر ــ بحسب حديث دريد للإعلامي موسى الفرعي ــ حيث الإصرار بالتفاعل مع الأرضِ من جهة أنَّ المطرَ يأتي من الأرضِ لا من السماء.

السؤال: ما الذي جعل دريد يؤكد على هذه الحكاية الخاصة، وترك كلامه السابق في التسعينيات الذي يقول فيه:

«هي عمل سياسي أخذتُ فكرته الأساس عن المسرحيّة الأمريكيةِ صانع المطر لريتشارد فيل»؟ هل كان يريد أن يتخلص من تداخل المعاني، وضياع بوصلة الاتجاه في معنى الوطن، فأراد أن يُشير إلى الأرض الجغرافية نفسها، والتخلص من كل معنى لا يوصل إليها؟

فحين نتأمل مسرحية صانع المطر؛ نلمس توجيه البوصلة نحو الإرادة الذاتية، والتخلي عن المفهوم الجمعي، وتحويل مفهوم الوحدة العربية إلى وحدة بين الأرض وفعل التمسرح في الحياة، ومن ثمَّ يُبنى المتنُ المسرحي في ضوءِ الحقائق التي تحفظ الأرضَ بمكوناتها الشعورية، بوصفها معنى الوجود الإنساني.

لكن ظلت الروح الانتقادية القديمة مغروسة في المسرحية، وتظهر بهوامش الحكاية، مما يجعل دريدًا مشتتًا ما بين مثاليته وواقعيته.