السياسة هي وضع الأوهام في مكانها.. إنك إذا خضعت للأوهام لم تستطع فعل أي شيء جدي. لكن كيف تضع أي أمر عظيم من دونها.
موتي اشبعي موتا.
قبلك مات كثيرون وبعدك سيموت كثيرون أيضًا.
اشبعي موتا لم يعد هناك شيء يهم
اشبعي موتا يا صغيرتي
فما زالوا يدرسون سبل رفع الحظر عن الأسلحة المفروض على البوسنة، وما يزال الصرب يماطلون في قبول أو رفض خطة السلام حتى القوات الدولية انتهت من وضع اللمسات الأخيرة على خطط انسحابها من بلادكم.
ورغم ذلك كله لك أن تطمئني، لا يزال الجسر الجوي ينقل المساعدات الإنسانية إلى عاصمتكم في البوسنة.. أصبح الصغار يرثون الدموع مع صفاتهم الوراثية، أصبحوا يولدون في القبور.
لم يعد للصغار وقت للعب في البوسنة، باتوا يملون ويمشي معهم الدم، كل منهم ظل للآخر.
أهل البوسنة يقولون إنهم أصبحوا يقيمون في الأحياء الخلفية من المدينة، هم الواقع يقصدون الأحياء الخلفية من التاريخ.
رمزي ليوفينشي قال منذ سنوات بعيدة سيأتي ذلك اليوم الذي لا يعود فيه مسلمون في يوغسلافيا.
«الشيوعية تتواطأ مع الفقر لتفكيك الذاكرة» إن ذلك سيحدث بضراوة هائلة. وتحققت الخطوات الأولى من التوقع.
وها قد بدأ الصرب في الدورة السابعة والعشرين من أيام الإبادة بقتل الأطفال، لم يتبق لهم غير تعليب لحومهم من جثثهم الملقاة على الأرصفة وأطراف الشوارع بعد أن كانوا في الدورة السادسة والعشرين من أيام الإبادة يغمسون أصابع البوسنيات في البنزين ويشعلونها وهم يقهقهون، فلنمض هذه الليلة على ضوء الأصابع.
ماذا يضيرك «میريلا» من أن تموتي ؟
في الحرب العالمية الثانية مات أكثر من مليون وسبعمائة ألف يوغسلافي في «صراع الأخوة»، وبعد أن قامت الفيدرالية عام 1945 غرز كل واحد من شعب البلقان خنجره في ظهر الآخر، ثم اتضح أن كل الخناجر غرزت في ظهور المسلمين لأن الصرب راحوا يلاحقونهم من غرفة إلى غرفة ولم يكونوا وحدهم، فما أن اندفع الصرب نحو مسلمي البوسنة حتى انضم إليهم الكرواتيون كانوا يقولون يجب أن تظل أوروبا مسيحية فقط.
ولم يعد لدى بيغوفيتش من شيء ليقوله سوى أن الصمت الأوروبي يقتلنا أكثر مما تقتلنا المدفعية الصربية.
ميريلا:
يبدو أن الموت أصبح هو الملاذ الوحيد للهرب من جحيم النيران والقنص.
أنت سعيدة حقا فلن تتعرضي بعد اليوم لرعب الخوف فالمقابر أصبحت في بلادكم المكان الوحيد الآمن.
«ميريلا بلونشیشن»
فتاة بوسنية في الحادية عشرة قتلت برصاص قناص صربي في العاصمة البوسنية يوم أول أمس.
1994*
* كاتب صحافي سعودي «1954 ــ 2022».