بعد الأحداث السورية الأخيرة، أخذَ دريد لحام يُصرّح -دومًا- عن كونه يُفرّق بين ما هو سياسي، وما هو وطني. وقد جاء هذا بعد أن كانَ تفريقُه كامنًا ومختلطًا في تمسرحه خارج الخشبة، وكان غير واضح في وعيه، وعلامة ذلك استعادة رمزية مسرحية صانع المطر، بعد الأحداث السورية، والتأسيس لها بمكوناتٍ أرضيّةٍ، وثابتةٍ، وجديدة، عن تلك التي صَرَّح بها في التسعينيات، أي أنَّ دريدًا تخلَّصَ من ضبابية الممارسات السلطوية عند الإنسان، واتخذ من الحيوانات -كما سيأتي- مددًا لتأسيساته في مرحلة ما بعد الماغوط، ذلك الذي تركه دريد، لأنه لم يتميّز عنده مفهوم الوطن، بل عقدَ معناه برؤيته الذاتية المحضة، بما جرى له من ممارسات سلطوية، حين قال -في سياق ما فعله السجنُ به-: «ففي السجن انهارت كُلُّ الأشياءِ الجميلةِ أمامي، وسقطت جمالياتُ الحياة، ولم يبقَ أمامي سوى الرعب، والفزع لا غير...بعد تجربة السجن فقدتُ الإحساسَ بكل شيء، بالبشر، والأحزاب، والسياسيين، ورجال الشرطة، والشعراء...».

وهذه الصورة التعبيريّة كانت واقعية في حياة الماغوط، لهذا حين رثى السيَّابَ قال: «أما زلتَ ترسم على علبِ التبغ الفارغة أشجارًا وأنهارًا وأطفالا سعداء، وتناديها يا وطني؟

ولكن أي وطن هذا الذي يجرفه الكناسون مع القمامات آخر الليل؟».

من هنا كانَ مسرحُ الماغوط سياسيًا لا يعرف المعنى الفني، إلا بما يتجلى به الخاطر إبداعيًا وتفكيرًا بواقعِ الحال، أي أنه يربط بين الاثنين ربطًا لازمًا، وأنَّ الوطنَ لم يُولد بعدُ، ما دامت المشكلة في المجتمعات العربية عقليّة، وأخذَ يُؤسِس لتنظيراته هذه على مفهوم التناقضات بين الثنائيات، التي أخذها من معجم قومي اشتراكي وحدوي.

ومن هنا افترقَ مع دريد فكريًا، حيث الماغوط لا يرى الإشكالَ في التطبيقات النظامية، بل في الذهنيةِ التاريخية، ولهذا فإنَّ مفهومَ السجن لديه يُشكِّل مصدرًا لصناعةِ مسرحياتِه، ومفهومه عن الأرض والنظام، وكتابةِ نصوصِه فمثلًا مسرحية «ضيعة تشرين» قامت على التخلّص من المواطن، وزجِّه في السجن الداخلي، ومسرحية «غربة» قامت على التخلص من المواطن وزجّه في السجن الخارجي.

إنَّ الصورةَ التي يتمثّلها الماغوط للوطن العربي، هي إشكال -بحد ذاتها- تجعله ضمن صُنّاع التمسرحِ خارج الخشبة، بالمفهوم الأيديولوجي الذي طرحتُه. وقد طرح ياسر العظمة -المشارك في مسرحيتيْ ضيعة تشرين وغربة- لوحةً في مرايا عنوانها «الفزَّاعة» يمكن أن تكونَ صورةً لرؤيةِ الماغوطِ لمفهومِ السجنِ والوطن، إذ تقوم اللوحة على التحولات النفسيّة لبطلِ الحكاية «بدران».

اثنا عشر عامًا في السجن جعلته مختلًّا، ولما أفرجوا عنه، لم يقتنع أنه خرج، فهو يرى الرقيب «صقر» في وجه ابنه، ويكتب اعترافاته في غرفة زوجته، ويستحم وباب الحمام مفتوح، لأنَّ السَجَّان يأمره بذلك، ولا يقف الأمر هنا، بل إنَّ الرقيب صقر أصبح سجينَ الخوفِ من انتقام بدران. فمتى سيولد الوطن إذن؟

هنا نعود لدريد وتأسيسه -لمرحلته بعد الماغوط- على طبيعة حيوانية لا إنسانية، فقد أضاف اسم «النملة»، على شخصية قيصر، في مسرحية صانع المطر، لدوافع سلوكية رآها -في النملة- متسقة مع مضامين المسرحية، وقد أبان عن هذا -في لقائه مع الفرعي- حين قال: «أنا أحترم النملة، وحين أجدها في بيتي، أحملها على يدي، لأضعها في الحديقة، فالنملة رمز الكفاح الذي لا يفنى» فمفهوم النملة الذي أراده دريد من اسم الشخصية، هو دلالة النظام والعمل، وبهذا يكون هذا المفهوم مؤسِّسًا، وركنًا من أركانِ الدراما الدريدية، ويمكن أن نضيفَ ركنين آخرين هما: ركن الحصان، ويعني الاستمرارية، وركن السلحفاة، ويعني اليقينيّة، وهذه الحيوانات عَبّر عنها -في اللقاء ذاته- بصفتها تمثل رؤيةَ حياته. فالحصانُ لا يَعدُّ كبوتَه إلا تحدّيا، والسلحفاة، هي الوحيدة التي تعتمد البطءَ منهجَ حياةٍ، حيث هو الوسيلة الوحيدة ليقينيّة الوصول، وأما النملة فهي الركن الأساس، صاحبة مملكة، تؤسِسُ -بمجموعها- نظامَها الذي تتنوع فيه الوظائف وتُؤدى بإتقان.

ويُمكن تحليل مسرحية صانع المطر في ضوء هذه التأسيس، أشيرُ-هنا -إلى علامتين فحسب- مع تجنب الترهّل في النص العائدِ لضبابيّة رؤية دريد-الأولى: رمزية انقسام المسرحية إلى زمنين: الأول يظهر فيه الممثلون بشخوصهم الحقيقية، والثاني: تقَمُصهم لشخوصِ حكايةِ الجنون والمطر، والعلامة الأخرى: اليقين المُستلّ من الأرض، حيث يظهر كفعلٍ جنوني، لهذا كانَ الفاصلُ بين الزمنين مقولةَ حسن دكّاك: «مجنون يحكي وعاقل يسمع». وتجتمع هذه الأركان في قيمتيْ «الصبر والحق» وحين نستحضر هاتين القيمتين، يحضر مفهومُ التواصي بالحق والصبر. وهذه ستوصلنا إلى تطور في ذهن دريد المسرحي، جعله يهاجم كاسك يا وطن، لكن دون أن ينفيها تماما، مما شَكَّل رؤاه المتداخلة حول الفن والسياسة.

إذن الدراما الدريدية، حاولت أن تجعل الوطنَ انعكاسا لخشبة المسرح، التي هي معادل موضوعي للأرض، وشرط بقائها حمل مشعل القيم: «الحرية، العدالة الاجتماعية، الكرامة»، والنظام فيها مثاليٌّ ويعني: قوة تحفظ الأرض من الفوضى. وهو مثالي، لأنَّ المسرح -كما نظّرنا عند دريد- حين يُقدِّم حلولا صغيرة أم كبيرة، فهو مندرج بالسياسة لا الوطن. ولهذا ستكون صيغة هذا النظام ابتكار الحدث بالحوار كما هو وسيلة الدراما، وبالتداعي الأولي كما هو تفاعل الجمهور، لهذا فحين سُئل -في قناة الشرقية نيوز- عن جملةِ كارلوس -وهي أول شخصيّة مثلها دريد-: «الشوربة وسخة في صحن نظيف» ماذا تعني بها؟ قال دريد: قيمة هذه المقولة بما وصل للمتلقي منها، فأنا لما ذهبتُ إلى معرضٍ تشكيلي، حاول صاحبُه أن يشرح لي إحدى اللوحات، فرفضتُ، لأنَّ قيمتَها بما وصل لي، لكن لما افترضتْ القناةُ معنىً للعبارة وهو: «الشعوب قلوبها نظيفة، والسياسة وسخة» قال دريد: «هذا تعميم لا يصح». فما قيمة العبارة إذن طالما أنه رفض ما وصل إليهم؟ وأين موضعها في المسرح الوطني إن هي عُزلت عن فهم الناس؟

ويبقى السؤال الأخير: هل استطاعت الدراما الدريدية أن تصل إلى مبتغاها المتداخل، بين المثالي والواقعي، بحسب التنظير لتمسرحٍ خارج الخشبة؟