يشترك ياسر العظمة في تشكّله الدرامي، مع ميلاد المسرح القومي، لهذا قدَّم إنتاجه المسرحي الأول تحت لوائه، ثم انتقل ليشارك دريد والماغوط مسرَحَهم، إلا أنَّ ياسر لم يكن تفكيره معقودًا بالنظام، بل بحركة الشعب، لهذا كان أكثر جذرية؛ إذ انسلخَ من الخشبة كلها ليؤسِسَ في مطلع الثمانينيات، سلسلةً دراميّة اسمها (مرايا)، أُسَمّيها (مسرحية)؛ لأنَّ مسارَ ياسر يحكمه المسرح، فهو لما رأى الخشبةَ لا تؤدي زكاةَ العنفوان الذي بداخله، حمل جوهرَ المسرح معه -الحوار/الفعل- إلى مسرحيةٍ طويلة الفصول بــ 19 جزءًا، فسيطرت عليه الفكرةُ المسرحية، حتى اخترقت نصوصَه، وطرقَ تفكيره، وملامحَ تمثيله، وأساليب اختياراته، فكانت كنظامٍ دقيقٍ يهيمن على خطابِه الدرامي، فانظر إليه وهو يملأ (مرايا) بالمشاهدِ المُطوّلة والحوارات الخطابيّة، وطريقة التمثيل، الملاصقة للصنعةِ المسرحية، ولهذا لم يستطع ياسر أن يُبدع أعمالا لها طابع التقنية السينمائية أو التلفزيونية. فلا تحتاج مرايا إلا إلى تأملٍ موضوعاتيٍّ؛ لتتجلى هذه (الثيمة) المسرحية، أعني العلاقات المتشابكة التي تحقق وحدة موضوعاتية في لوحات مرايا، المرتبطةِ بالمسرحِ المندفنِ في أعماقِ ياسر، إذ في المسرح تتحاور الشخصيات لينمو الحدث، وهذا ما يجري في مرايا، مع توظيفِ تقنياتٍ تلفزيونيّة لخدمةِ هذا الغرض.

إلا أنَّ المعنى العميق -الذي جعل ياسر يُخرج التمسرح من الخشبة- مرتبطٌ بعلاقةِ المسرح بالمجتمع التي ذكرنا تنظيرها وتطبيقاتها، ولكن ارتباطها عند ياسر هي بإعلان فشلها التامّ ما دامت على الخشبة، لهذا قال ياسر في لقاءٍ تلفزيوني بالثمانينيات -مع مروان الصواف- في بداية انطلاق مرايا: «أريد أن أعالجَ الأفكارَ من خلالِ التلفزيون؛ لأنَّه يصل إلى كُلِّ بيت» أي كأنَّ ياسر يرى وجوب تحرير التمسرح من الخشبة كليًا.

ويلفت انتباهَنا -في هذا السياق- التغييرُ المسرحي الذي جرى على يد (مايرهولد)، وأعني توظيف خيال المتفرج لجعله يُشارك في العملية المسرحية؛ فيكون لفظ (الوصول) عند ياسر، له دلالة نوعية في التعويل على واقعيّة المتفرج، حيث أخرجه من ضيقِ المكان الذي يستلزم خيالا -قادرا على إضافة المعاني لسكوتِ الكاتب- إلى الواقع كما هو، وفي هذا إشارة إلى قولِ ياسر في اللقاء التلفزيوني: «يهمني أن أُعرّي سلوكَ الناس، وطبائعهم، من خلال الناس أنفسهم بإطار فني» وهذا ما يُبيّن أنَّ أيديولوجيته تَشعّبيّة، لا نظاميّة مستقلة، كما هي عند دريد.

ويبرز المعنى أكثر بالإشارةِ إلى لوحةِ (منَعرِف كِلْ شِيْ) عام 2001، حيث نرى الشعبَ فيها نصًّا إشكاليًّا، يأتي بمعنى التشعّب -الاجتماع والتفرّق في آنٍ واحد- لهذا كانَ الشعبُ أصلَ وجودِ السلطةِ نفسِها التي تُراقبه وتُعاقبه، وبما أنه أصل وجودِها -في كل أبعادها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية- فإنَّ ذلك يعني أن لا تمايز بين الوجوديْن، تمايز يجعل من النظامِ مستقلًا. وهذه اللوحةُ بثلاثةِ أقسام؛ الأول: سلطة البيت النسبيّة، وجَمْع الناسِ في شَكل واحد. الثاني: سلطة المقهى المُمهِّدة لصورةِ السلطةِ المطلقة؛ حيث ضَمَّ أبا شاهر (الوجه المتشعّب) وروحَ سُلطة (الرجل الذي في التلفزيون) وأداةَ سلطة (أحد زبائن القهوة) وسيكون المشهد هكذا: السلطة لم تكن موجودة قبل إشعالِ التلفزيون. أي أنَّ أبا شاهر لما أشعلَ التلفزيون أشعلَ أداتها الكامنة (المُخْبِر)، فأخرج الشعبُ السلطةَ، لكي تُشرِّحَه وتَشرَحَه. لهذا فإنَّ الشعبَ جملة من المجازات، ساهمت السلطةُ في ترسيخ الاعتقاد بأنه نصُّ مطلق، لهذا يأتي القسم الثالث في الفرع الأمني، والمشهد (المسرحي) بين أبي شاهر والمسؤول حول ماذا تعرف السلطة؟ وكيف؟ وبماذا؟

وتُمثِّلُ لوحة (مرايا المدينة) عام 95م، انعكاسًا لمعنى (مرايا) ككل، حيث هي تَمسرح دون خشبة، أو لنَقُل حلَّ المكان اليومي بدلها -بصفتها أفكارًا متخشّبة- وفي الآنِ نفسه تُشعر بمعنى الخشبة حين تحكي حكاياها، بواقعِ الناس ومستوياتهم. ولتكون هذه الخشبة الحديثة مرآة التمسرح؛ أي تلك البقعة التي تأخذ صفات الخشبة، لكنها ترحل بالوعي المؤثّر في الأداء الخطابي للسياسيين والمثقفين والعاملين والطلاب والمعلمين.. إلخ. ويكون هذا الأداء مؤثرًا -بدوره- على نقدِ الناسِ لأنفسِهم. ولنلحظ أنَّ مرايا المدينة نَصّت على لفظِ (المدينة)؛ لتكون المرايا مرحلةً متوسطة بين تواريخِ الأمكنة، وزواياها وأشكالها ومضامينها؛ فكأنَّ هذه المرايا هي ما يظهر لنا، وفي الوقتِ نفسِه تُوصلنا -بوعينا- إلى جوهرِ الحياة. وسيظل ياسر يؤمن بهذا حتى آخرِ أجزاء سلسلته، مع التأكيدِ أنَّ المكانَ يتّسع تصاعدًا من بعد مرايا 95م، لكن هذا الاتساع لا يتجاوز حدود مفهوم التمسرح؛ ولهذا أصبح عمل مرايا مشروع ياسر الأوحد، ليطرح فيه كل تجليات هذه المرايا سواء كان بالفكر، أو اللغة، أو الفعل الحركي، بل حتى فيما هو مجال ليس مسرحيًا كالعلوم، أعني تمسرح العلماء في بيئتهم العلمية؛ لهذا كانت هذه اللوحة تطرح اختراعًا علميًا لكنه ليس بعلميٍّ في حقيقةِ الأمر، بل جوهريَّا في دواخلِ النفس. ويأتي هذا التمسرح في الزمن الذي بدأ فيه تمسرح معاكس في الغرب -على رأسِه البولندي جروتوفسكي- وهو التقليل من دور الحوار اللغوي، وتحويل التمسرح إلى تأثيراتٍ حركيّة وإيقاعيّة وموسيقيّة وإشاريّة في صناعةِ معنى المسرحية. فإذا كان العظمة أخذ معه الحوار -بوصفه جوهر المسرح- إلى تمسرحٍ خارج الخشبة التقليدية، فإنَّ هذا الاتجاه الغربي يرى أنه بإزالة الحوار اللغوي من المسرح -بوصفه دخيلا- يُعيد للخشبةِ جوهرها الأساس، وهو التأثيرات البصرية والسمعية بالفعل الأدائي، إلا أنَّ الجامع بينهما هو النفوذ التامّ إلى رؤية المتفرجين، فهذا الاتجاه الغربي يجعل من الأداء والحركة والموسيقى والمناظر تُوصِل وجهةَ نظر المخرج -بوصفه أبًا للفعل الأدائي- ويجعل تفاعل الجمهور معقودًا بهذه الوِجْهة، وأما اتجاه العظمة، فيعيد للتمسرح مركزيته الذاتية، بتسليط حوار الشخصيات لخدمة الفكرة، عن طريقِ مفارقات الحياة الواقعية؛ ولهذا لما سُئِلَ -في اللقاء التلفزيوني- عن مركزيته في الكتابة والتمثيل والتلحين؟ قال: «ما المانع أن أفعل كل ذلك؟ فأحيانًا لا تجد من يفهمك ويفهم ما تريد إلا ذاتك».