أفرزت متغيرات الحياة الاجتماعية حاليا اختلافا في الكثير من المفاهيم السابقة، لعل من أبرزها مفهوم الصداقة، إذ لم تعد قواعد هذه العلاقة الاجتماعية كما كانت عليه.

فيما مضى كانت الظروف المكانية وحتى الزمانية تجبرك على بعض الأصدقاء، فالشخص ابن بيئته -بطبيعة الحال- وابن منطقته وحتى ابن جيله، فحدود العلاقة والصداقة تقبع في حيز أقاربه وجيرانه، حتى إن لم تكن هناك قوائم مشتركة تجمعهم.

كان الأشخاص يجبرون على صداقات وهويات مشتركة، غير مقتنعين بها، فقط لأنهم واقعين تحت سلطة الظرف المكاني أو الاجتماعي التي وضعت ذلك الإطار، بل إن القواعد السابقة في الصداقة كانت تضع الكثير من المحاذير في هذا المجال، منها عدم مخالطة الأكبر منك سنا، أو حتى القاعدة التي انتشرت بشكل غريب، وهي المبالغة في التحذير من تكوين صداقات في نطاق العمل، فزملاء العمل هم فقط للعمل، ولا يمكن أن يتحولوا لخانة الصداقة!.


إلا أن تلك القيود والمفاهيم أصبحت من الماضي نسبيا، فاليوم القاعدة التي تربط الأصدقاء هي قاعدة الاهتمامات المشتركة، وهو ما يجعل الشخص ينتمي للأصدقاء المتشابهين أكثر، بعيدا عن معيار العمر أو النطاق الجغرافي، وهو ما جعلنا نجد مواصفات وأشكالا جديدة للأصدقاء.

صرنا نشاهد مواصفات وملامح للصداقات اليوم في الكثير من المرافق العامة رغم حجم الفوارق العمرية الواضحة بين الأصدقاء، وهو مؤشر لتغير جذري في مفهوم الصداقة.

شبكات التواصل الاجتماعي أسهمت بالتأكيد في تعزيز تلك المفاهيم الجديدة، وتنمية الروابط المشتركة بشكل كبير، وتقليص كل الفجوات والفوارق، فاليوم -على سبيل المثال- محبو الدراجات النارية، أو مشجعو أحد الأندية، أو المهتمون بنمط من أنماط الموسيقى والفنون أو بفنان معين يجتمعون على حب فنه، فبات يجمعهم نطاق محدد، وتجدهم يحرصون على تحويل هذه الصداقة الافتراضية إلى الالتقاء الدائم دون وجود معايير محددة للصداقة.

كما أن الفضاء الرحب شكل لدى العديد من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي نافذة صداقات تنفتح على أقطار العالم وبمختلف القارات، وهو ما لم يكن موجودا سابقا.

كانت هناك فئة تخشى من التواصل بين الشعوب، وها هي كثير من القناعات تتبدل اليوم، بل إن العديد من أولئك المعارضين لذلك النمط من التواصل، أضحوا هم أكثر الباحثين عنه.

ما يمكن قوله والتأكيد عليه، أن الشعور بالانتماء لمجموعة تشبهك، شعور رائع جدا ومريح للنفس، ولكن قد يواجه البعض تحديات، مثل الخوف من الرفض أو الانتقاد الحاد من المجتمع أو التنمر، وغالبا يطال هذا التنمر والنقد المختلف عن المجموعة، فالأكبر سنا من تتضح عليه ملامح التقدم في العمر بين مجموعة شباب، هو من سيطاله النقد وهكذا.

في الوقت الحالي الصداقة فضاء مفتوح، واختيار حر، قاعدته الاهتمامات المشتركة والتشابه في الأفكار، لا قيود ولا قواعد تحكمه.