ديفيد بالداتشي كان محاميًا ضليعًا قبل كتابته الرواية، وأثناءها، يقول: «كتبتُ أفضل رواياتي عندما كنتُ محاميًا». هذا التصريحُ إلامَ يدلنا؟ يدلنا إلى تصريحٍ آخر له: «المحامون هم رواةُ القصص». إلا أنَّ السؤالَ إذن: لم لا يكون كلُّ المحامين روائيين؟ ربما هذا بعضُ ما قصَدَتْه المقالةُ من كون المحاماة بنية كاشفة عن طبيعةِ الاستعدادات للقصّ، لأنَّ المحامي مجبرٌ على تجريب القص وتأليف الحكاية أمام المحاكم ولو بصفةٍ بدائية. ولأنَّ المحامي إذا لم يكن في طبيعتِه قاصّا جيدًا، لن يكون محاميًا جيدًا. لكن هل لنا أن نعكسها؟ كاتبُ الرواية إذا لم يكن محاميًا جيدًا -عن معماره الروائي، وشخصياته بكل أبعادها حتى تصل إلى بر النهايةِ كما يريد لها البناءُ أن تكون- فلن يكون روائيًا جيدًا؟ هذا سؤالٌ مطروحٌ بناءً على بنيةِ المقالةِ التي تتعاطى مع تجربة مهمة. ولهذا لا يمكنني قبول قول من يقول: «إنَّ ديفيد بالداتشي كان محاميًا، ثم روائيا» فهو -تحديدًا- لا يكون روائيًا إلا بوصفِه محاميًا، ولا يكون محاميًا إلا بوصفه روائيًا. وتطرح المقالةُ سؤالَ إمكانية تعميم هذه التجربة التي كشفت سؤالَ الكتابةِ في بعض أوجهِها. ومما يعضد هذا القول، أنَّ ديفيد وقفَ حائرًا بين صديقيْن روائييْن: أحدهما -مصنف أنه كاتب تجاري- يقول: «أنا أكتب كتبًا بجودة كتبك، ولكنني لا أفوز بجوائز». والآخر -مصنف أنه كاتب أدبي- يقول: «أنا أكتب كتبًا أفضل من كتبك، ولكني لا أبيع أيًا منها».
هذا التصنيف الشائع بين روائي تجاري وروائي أدبي، يجعلنا أسرى للثنائية: تجاري/ أدبي، إلا أنَّ ديفيد لا هذا ولا ذاك -بصورةٍ محضة- بناءً على هذه المروية. لهذا فإنَّ هذه الحكاية التي رواها ديفيد تضعنا أمامَ تصنيفٍ ثالثٍ، ينتظر مَن يلتقطه من الأرض. فهل لي أن أقول: (روائي محامٍ)؟ ويكون لفظ المحاماة هنا عامًا، أي ذلك الذي يملك جوهرَ القصِّ في سلوكِه، وتأملاتِه الدائمة، ولا يتبع في رؤاه الحياتيّة إلا ما تُشكّله حكاياته عن الواقع. الحكايات التي لا يعرف -وهو يعيش يومياته- عنها شيئًا، وعن تخلّقها، إلا حين تكتمل بوجهٍ آخر في رواية مكتوبة. ومن ثمَّ سيكون هذا التصنيف ليس مجردَ معنى ثالثًا يقضي على الثنائية، بل هو سيُعيد ترتيبَ الذهنِ لسؤال: «هل تستطيع أن تكتب رواية؟»، فهذا السؤالُ معقودٌ بالتجريبِ، وليس بشيءٍ ظاهرٍ كسؤال: هل تستطيع أن تُصارع؟ أو تلعب كرة سلة؟ لهذا احتاجَ كشفُ الرواية لبنيةٍ خفيّة، أما سؤالُ المصارعةِ وكرةِ السلةِ فتكشفهما بنية الجسم. من هنا قال ديفيد: «أولئك الذين يحاولون كتابة الرواية سيعرفون أنها عمل صعب جدًا». وما قلتُه عن تعميم هذا التصنيف، يُمكن أن أجريَه على الروائيةِ الإسبانيةِ إيزابيل الليندي، فحين نتتبّع آليةَ عملِها الروائي، نجدها تروي القصصَ التي تنمو داخلَها -دون معرفة منها- لكن بحكايةٍ مختلفة عَمَّا نما في داخلها. وقد قالت ما يُثبِت هذا القول بعد أن أنجزت أغلبَ أعمالها. إلا أني أريدُ الإشارةَ إلى قولٍ لإيزابيل، فيه تجسيدُ لبعضِ رؤيةِ هذا التصنيف تقول: «إذا شعرتُ أنَّ القصةَ بدأت تلتقطُ إيقاعَها، وتُشَكِّلُ شخوصَها -بحيث أستطيع أن أراهم، وأسمع صوتهم، يفعلون أشياءَ لم أُخطط لها، أشياءَ لم يكن بوسعي تخيّلَها- حينها أعرفُ أنَّ الروايةَ موجودةٌ في مكانٍ ما، وكُلُّ ما عليَّ فعله أن أجدها وأجلبها -كلمةً كلمة- إلى هذا العالم». إذن تجربة إيزابيل تتقاطع عمليًا مع نظرية العملة الواحدة بوجهيها: قص/محاماة. ولكن -في الآن نفسه- هي ليست محامية، بل ممتلئة بكلِ أسبابِ الدفاعِ عن معمارِ نصِها، وشخصياته، لا من جهة منطقية قانونية بل من جهة حِكائيّة؛ لهذا فإنَّ ديفيد بالداتشي طرح جوابًا كاشفًا لسؤال: «من يفوز في المحكمة؟» وكانت الإجابة -كما يراها بوصفه محاميًا مجربًا- «الفائز هو الموكّل الذي يمثّله محامٍ يروي قصصًا أفضل من المحامي الآخر». هذا سؤالٌ واقعيٌّ، ومن يسمعه يَتحفّز لإجابات ممكنةِ التطبيقِ في الواقع. بمعنى أنَّ المجيبَ لن يقبضَ على الإجابةِ إلا حين يتخيّل كيف تتشكّل الروايات والقصص، ومن ثمَّ يفهم كيف يفوز الفائز في المحكمة؟ إنه لا يفعل إلا قراءة الواقعة التي بين يديه ويُعيدُ تشكيلَها بناءً على الواقعِ المتّسق مع بدايات المكان ونهاياته، وشخصياته الحية، ومعماره القانوني والاجتماعي والنفسي، ومن ثمَّ يضع دفوعَه عن معمارِ حكايتِه للقاضي. المحاماةُ -هنا- تتجلّى بوصفها أداةً للقبضِ على تَشكُلاتِ الروايةِ الكبرى للحياة. ومن ثمَّ فالمحامي الجيّد هو القاصُّ الجيّد، الذي سينتهي به المطاف إلى الاحتفال بنجاحِ روايته التي لم يدفعه لها أدبٌ مفتعل، ولا مؤسسات تجارية. وسنكون حينها أمام مِشيةٍ بين الغرابِ والحمامة.
التفاتة:
الروائي الليبي إبراهيم الكوني، نقضَ مدنية الرواية، وأسّسَ روايةَ الصحراء؛ بوصفِه رسولًا لها إلى عوالم الرواية الأدبية العالمية. وكأنَّ اسمَ الكوني جاءَ من كونية الأدب. يقول في أحدِ لقاءاته: «إنَّ سببَ اهتمام العالم الشرقي والغربي بأدبه هو أنه وجد طبيعة جديدة دخلت الأدبَ العالمي، إذ سابقًا كان لكلِ ركنٍ في العالم مكانه في الرواية، إلا الصحراء كانت مضطهدة ومهمشة ومستثناة من هذه القسمة الظالمة، وأنا هنا أعدتُ اعتبارها الذي حُجِب عنها. وما جعلني أكتبُ بلا توقّف هو العهد الذي قطعتُه للصحراء. والعهدُ دَيْن».