كيف نفسر سلوكيات الشغب التي تنتشر بين الطلبة والطالبات في آخر يوم دراسي، ومن المسؤول عنها، وكيف يمكننا التخلص منها؟

تمزيق الكتب، تخريب مرافق المدارس، كتابات على الجدران أو في الحافلات، إساءات واعتداءات على كوادر المدرسة، وإلحاق الضرر الصحي بأنفسهم وزملائهم الذين يتعرضون لرش المواد الكيماوية والأصباغ خاصة من ذوي الأمراض التحسسية. وغيرها من سلوكيات ضارة ومسيئة باتت تشكل قلقاً موسمياً للميدان التعليمي وللمجتمع بأسره.

ورغم أن هؤلاء المسيئين قلة وليسوا غالبية فإنها ظاهرة تستحق الالتفات.

خطورة هذا السلوك لا تحسب فقط بخسائره المادية بل تتجاوز هذا إلى ما تخلقه من حالة استحسان وتطبيع ناتجة من تكرار الفعل ومروره دون أي تبعات تذكر، مع ملاحظة أن عدداً من أولياء الأمور يساندون الأبناء في أفعالهم ويبررون لهم، بل ويظنون أن سلوك أبنائهم المنخفض هو طبيعي جداً واستحقاق لهم يتحتم على المجتمع فهمه وتحمله!

وهناك من يرى أن علينا تقبل هذا السلوك باعتباره جزءاً من المرحلة العمرية التي يمر بها الطالب وأن تضخيم رد الفعل سيضاعف المشكلة ولا يعالجها!

كما يتذرع البعض بأن الطالب محتاج للفرح في آخر يوم دراسي، حسناً... ألا تكفي احتفالات التخرج التي تتنافس فيها المدارس؟ والتكريم والرحلات والفعاليات الاحتفالية طوال العام فرص التطوير، ألم يمنحهم كل هذا فرحاً وولاء لمدارسهم حتى أصبح منتهى فرح هؤلاء وأسرهم يتمثل في هذا الجنوح التخريبي!

كما نجد البعض الآخر مع الأسف يحمل إدارات المدارس المسؤولية. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الطواقم الإدارية والتعليمية يجب أن تؤجل وتعطل أعمال الاختبارات المطلوب إنجازها خلال هذا اليوم، وتستنفر لمحاصرة الطلاب وتحريز ما قد يحضرونه من أصباغ وألوان ومساحيق ورشاشات مياه وأجهزة اتصال، في مشهد لا يراعي هيبة التعليم ويحول مؤسساته لحالة من الاضطراب والمطاردات.

في رأيي أنه حتى نتخلص من هذه المظاهر والسلوكيات علينا أولاً أن نعرفها وتوصيفها بشكل صحيح. فهل تدخل هذه الأفعال ضمن المخالفات السلوكية؟ أم هي أفعال جرمية خاصة؟ ما يحدث منها خارج الحرم المدرسي، ثم إنها تخل بالأمن العام وتستنزف ميزانيات المدرسة، وتهدر وقت الميدان التعليمي وتعرض الآخرين لأضرار بالغة؟

هذا سؤال رئيس في الموضوع.

وزارة التعليم اعتمدت لوائح تربوية مدروسة ودقيقة، لضبط السلوك خلال العام الدراسي، كما فصلت في المخالفات ودرجاتها والعقوبات المقررة لكل مخالفة، التي يبلغ أشدها فصل الطالب لفترة أو خصم درجات السلوك أو العقوبتان معاً.

ولكن السؤال هنا، هل يمكننا لو أردنا أن نطبق هذه العقوبات المشددة في آخر يوم دراسي، وقد تم احتساب السلوك وانتهى العام وانتقل الطالب من مرحلته؟ بالطبع لا، وسنحتاج لجملة إجراءات ومراسلات طويلة وهنا مربط الفرس. هؤلاء المسيئون يختارون اليوم الذي تتراخى فيه إمكانية العقوبات السلوكية، إنه تقريباً اليوم الفارغ، كما أنه اليوم الذي تكون فيه الإدارات عالقة في عنق زجاجة الاختبارات تسابق الزمن لإنهاء الأعمال وإصدار النتائج.

لن أقترح هنا إجراء دراسات نفسية أو سلوكية أو نشر الوعي أو تغيير لوائح السلوك في المدارس. فنحن لا نعيد اختراع العجلة، ذلك أن انخفاض مستوى الرقيب الذاتي هو مسلك نفسي إنساني عالمي لا يحتاج لمزيد بحث ولا يعالج إلا بالقانون الرادع. وقد رأينا مثلاً أعمال الشغب التي حدثت في مناطق متفرقة من العالم أثناء الإغلاق العام في زمن الجائحة. دائماً وأبدا يؤدي الفراغ إلى الفوضى. وهذا هو عنوان قصتنا.

أعتقد أنه سيكون مجديا، مباشرة هذا الموضوع بشكل مشترك بين التعليم وأجهزة الأمن، وتسن له قوانين واضحة توصف هذه الأفعال الفوضوية، كأفعال مجرمة تستوجب الضبط والتحقيق، وتتدرج في العقوبات باختلاف أثرها كسائر الجرائم، كما أنه من الضروري وجود كاميرات للمراقبة داخل القاعات والمرافق الدراسية والحافلات أسوة بالمستشفيات والأسواق وجميع الأماكن العامة المليئة بالحشود والمحتاجة للرقابة والأمن. أما تمزيق الكتب وامتهانها فيلزم الطالب بدفع ثمن كتبه للعام التالي ويزداد عاماً عند تكرار الفعل.

ختاما... يجب أن نسارع بعلاج الأمر دونما قلق، فالرقابة الصارمة والقوانين الرادعة هي أفضل الطرق لتهذيب السلوك في زمن قياسي، إذ المعروف أنه بعد فترة من الانضباط القسري يتبرمج اللاوعي على تبني السلوك الجديد والانسجام معه. وهذا مشاهد وواضح في كثير من مواقف حياتنا التي نظمتها القوانين فانعكست على السلوك الاجتماعي تحضرا وتهذيبا وانضباطا، كما أن الطالب يمكن أن ينشط لاحقاً في الخدمة الاجتماعية أو الأعمال التطوعية لإلغاء تأثير العقوبات مما يكسبه وعيا أكبر ويدربه على تحمل مسؤولية خياراته وأفعاله.