في تطور واضح يشير إلى بوادر تغير جوهري في الموقف الدولي الرسمي تجاه قضية الإساءات المتكررة للمقدسات والرموز الدينية، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأسبوع الماضي قرارًا حمل عنوان «الحوار بين أتباع الأديان والثقافات والتسامح في مواجهة خطاب الكراهية». ومع أن الجمعية ذاتها سبق أن اعتمدت قرارًا مماثلًا في العام 2021 إلا أن اللافت هذه المرة هو أن القرار صدر بالإجماع، رغم محاولات بعض الدول لتعديل نصوصه، لا سيما الفقرة التي تنص بوضوح على أن هذه الإساءات تمثل «انتهاكًا للقانون الدولي».

ونظرة سريعة إلى هذه الفقرة ومفرداتها من منظور قانوني توضح بجلاء أن القرار يمكن أن يشكّل أرضية صلبة تنطلق منها الدول العربية والإسلامية وسائر دول العالم المحبة للسلام نحو تقديم مشروع قرار أكثر إلزامية وقطعية إلى مجلس الأمن الدولي - بعد حشد التأييد المطلوب وتكوين تحالف واسع - لتجريم هذه الممارسات الاستفزازية المرفوضة ومطالبة جميع الدول المنضوية تحت المنظمة الدولية بإصدار تشريعات في قوانينها وأنظمتها المحلية لتحديد العقوبة المناسبة بحق المتجاوزين. هذا التفاؤل لم ينبع من فراغ بل هو قراءة لمحتوى الفقرة الثالثة عشرة التي تنص على أن مشروع القرار «يستنكر بشدة جميع أعمال العنف ضد الأشخاص على أساس دينهم أو معتقدهم، وكذلك أي أعمال من هذا القبيل ضد رموزهم الدينية أو كتبهم المقدسة أو منازلهم أو أعمالهم أو ممتلكاتهم أو مدارسهم أو مراكزهم الثقافية أو أماكن العبادة، فضلًا عن جميع الهجمات على الأماكن الدينية والمواقع والمزارات التي تنتهك القانون الدولي». لذلك فإن شمولية هذه الفقرة وتركيزها الواضح على حظر الإساءة للرموز الدينية يمنح القرار قوة إضافية.

كذلك من مزايا القرار الجديد أنه نص بوضوح على تحديد «الرموز الدينية والكتب المقدسة» ضمن الثوابت التي يحظر الإساءة إليها أو محاولة تدنيسها بأي شكل من الأشكال. وهذا التطور الملحوظ يمثّل تحولا نوعيا بالغ الأهمية لأنه يمثل قوة دفع للجهود الدولية الرامية للتصدي لجميع محاولات تعكير السلم العالمي وافتعال الفوضى.


ومن بوادر التحول الجديد في المواقف الدولية من الإساءة للمصحف الشريف ما أعلنته وكالة الهجرة السويدية يوم الجمعة الماضية بأنها ستدرس تغيير قانون النظام العام لتمكين الشرطة من منع حرق المصحف، كما بدأت مراجعة تصريح الإقامة الممنوح للاجئ العراقي سلوان موميكا الذي كان وراء عدة حوادث للإساءة إلى المصحف الشريف في ستوكهولم في الأسابيع الأخيرة، تزامنًا مع استمرار الإدانات لحرق نسخ من المصحف في كل من السويد والدنمارك.

وأعلن وزير خارجية السويد توبياس بيلستروم هذه المواقف في اتصال هاتفي جمعه مع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، الذي أكد رفض المملكة التام لكل المحاولات المسيئة للقرآن الكريم، وطالب باتخاذ إجراءات فورية لوقف هذه الأعمال المتطرفة التي تحاول النيل من الكتب السماوية، وتستفز مشاعر المسلمين حول العالم.

ويبدو أن الظرف الدقيق الذي يمر به العالم في الوقت الراهن، والتحديات التي تواجهه كان لهما أثر كبير في تغير مواقف بعض الدول وتخليها - إلى حد ما - عن التمسك بحرية التعبير المزعومة. فعالمنا المعاصر ابتلي بآفة الإرهاب وذاق من ورائها الأمرين ودفع ثمنا باهظا بجرائم ارتكبتها قوى التطرف والعنف. الآن، وبعد أن بدأ العالم يحقق تقدمًا ملحوظًا في جهود مواجهة مجاميع العنف وحركات التطرف والإرهاب تطل علينا قوى ظلامية مجهولة تريدنا أن نعود إلى الوراء ونبدأ من نقطة الصفر. لذلك فإن الحكمة تقتضي قطع الطريق على هؤلاء.

بطبيعة الحال لا نتوقع أن تستسلم تلك الدوائر المشبوهة بسهولة، أو أن توافق جميع الدول الغربية على مشروع القانون الملزم في حال تقديمه إلى الأمم المتحدة، فهي ستقاومه بشدة رغبة في تحقيق مصالح حزبية وانتخابية خاصة واستمالة أتباع اليمين المتطرف الذين يزدادون انتشارا في الغرب، لكن تطورات الأحداث قادرة على أن تفرض نفسها بقوة وأن تحقق المطلوب، لأنه لا يصح إلا الصحيح. ولنا في تداعي نظرية صدام الحضارات وتواري أصحابها خير دليل على ما أقول بعد أن كانوا حتى قبل سنوات قلائل يملؤون الدنيا بصراخهم الخاوي من كل مضمون.

لذلك فإن الحل الوحيد لمواجهة المسيئين يكمن في مواصلة السير على هذا الطريق - وإن طال - وتقديم الدعم للجهود المتميزة التي تقودها المملكة العربية السعودية لمواجهة الكراهية، وتعزيز التفاهم والمحبة والوئام بين المجتمعات، وإعلاء شأن التسامح والتعايش السلمي بين أتباع الأديان، والانتصار لقيم الاعتدال وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل وجعل هذه القيم النبيلة جزءًا من ثقافة المجتمعات والشعوب.

المطلوب في الوقت الحالي وضع إطار محدّد لتحرك مكثّف لكافة الدول العربية والإسلامية، لا سيما ذات التأثير على دوائر صنع القرار العالمي، ولتكن البداية في شكل تواصل دبلوماسي على المستويات الثنائية، بحيث تتم تهيئة الرأي العام العالمي للوقوف صفا واحدا ضد مثيري الفوضى. ومما يبعث على التفاؤل ويرفع منسوب الأمل بإمكانية تمرير القرار هو أن كثيرا من الدول الأوروبية وغالبية الدول في آسيا وأفريقيا تمنع في قوانينها المحلية الإساءة للأديان والرموز الثقافية، لذلك يمكن حشد التأييد لإجازة القانون.

أما المسيرات الصاخبة أو المظاهرات الحاشدة التي تتخللها أحداث عنف وتدمير، فهي لن تنفعنا، ومثل تلك التصرفات تؤخّر ولا تقدّم، وتمنح الآخرين مبررات لوصفنا بالعنف، وتعيق الجهود الدبلوماسية التي تهدف لإيجاد حلول قانونية ملزمة، إضافة لما يترتب عليها من خسائر في الأرواح والممتلكات.