لما قالت العرب عن «الكتاب»: «لا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه»، فإن ذلك نتيجة لاستيقاظهم على معنى جديد قلب حياتهم ظهراً لبطن، وهو انتقالهم من الاحتجاج بالقول إلى الاحتجاج بالكتابة، وربما هو سر أن يكون «القرآن» كتاباً، وهو مقروء حتى لحظة جمعه بعد وفاة النبي. إلا أن هذا التخصيص في المعنى يجري على مفهوم «الكتاب والكتابة»، لا كتاباً بعينه.

هذا الاستيقاظ يحضر في ثلاثة مسارات، أولها ومؤسسها: الكتاب/القرآن. ثانيها: الكتاب/كتاب سيبويه. ثالثها: الكتاب/ألف ليلة وليلة. والجامع لهذه المسارات تشكيلها لوعي كتابي مفارق عن ذهنية القول الذاتي والمعتقد الميتافيزيقي المحض. وسؤال هذه المسارات: ما دور المكتوب لذاته في تسيير فهم الحياة؟ فإنه إذا قيل (كتاب كذا) يحضر في الذهن مؤلف محدد، ومن ثم توقع رؤية ذاتية محضة، لكن مع نظرية (موت المؤلف) انطلق الوعي ليحرر المكتوب من جهة أولى، وليمسك بما فعلته الكتابة سابقاً، من كونها غيرت وعي الناس تدريجاً من جهة أخرى، لهذا فالقراءة الجماعية نشأت لمحاولة حل هذه القضية، أي لكي تقضي على أي قراءة فيها إساءة فهم، فما عليك إلا أن تدعو بالقراءة الجماعية، ويراد بها بلوغ مقصد الكاتب كما هو، لهذا تأسست مذاهب دينية، وفي داخل كل مذهب قراءات جماعية للوصول لفهم الكتاب ومقصد مؤلفه، ثم يكون مجموع القراءات هو الفهم الصحيح للكتاب.

والسؤال: هل القراءة الجماعية هي نتاج مفهوم الكتاب وقلقه؟ أليس الذي جعل العرب يحولون المسيرة هو قلق الكتاب؟ ألم ينتجوا بعد ذلك ما سمي «التفسير السلفي»، والتفسير الإباضي، والمعتزلي، والشيعي، والأشعري...إلخ من جراء هذا القلق؟ هل هذه التفاسير هي قراءة جماعية أم كتابة جماعية؟ أي هل هي مجرد قراءات ذاتية متفرقة، أم هي خضوع لمعنى الكتابة -المفارق للقول أو التخيل المنتمي لميتافيزيقا أفلاطون- وذلك بجعلها تسير الحياة، وتشرح معانيها، وتحيل إليها؟ في السياق المسيحي ثمة حكاية تنتمي ليوحنا «الذهبي الفم» -رئيس أساقفة القسطنطينية في القرن الرابع الميلادي- حين سأله مريدوه سؤالاً مدهشاً قالوا: لماذا يكتب بعض القديسين أسماءهم في مطلع رسائلهم، ويتركه البعض الآخر؟ قال لهم يوحنا:

«هل علي أن ألقنكم كل شيء؟ تأملوه بأنفسكم، فإن لم تفعلوا ذلك ستكونون حمقى».

هذه الحكاية نصت على أسماء المؤلفين، وفي الوقت نفسه نجد القديس -الذي يفترض أنه يعرف ما لا يعرف- يرفض الإجابة.

هذه الحكاية مدخل مهم لمعنى «الكتابة الجماعية»، في المسارات التي ذكرت في مطلع المقالة، فالقرآن هو كتاب المسلمين بلا منازع، وهو هجّيراهُم، ومصدر نزاعهم، وليس أدل على ذلك من نزاعات علي بن أبي طالب المتوالية، الذي اضطر في واحد منها لقول: «القرآن لا ينطق بلسان، وإنما ينطق عنه الرجال». وقول علي هذا يندرج في معنى القراءة الجماعية للإمساك بمعنى الكتاب، في مقابل قول خصومه وقراءاتهم الجماعية. وسأعود إلى المسار هذا في المقالة القادمة لأستخدمه في السؤال الفرعي للمقالة وهو هل يجوز -في قانون الكتابة الإبداعية- تغيير لفظ مكان لفظ إذا (أراد) زمن ما، جعلهما بمعنى واحد؟ أما كتاب سيبويه فسمي «الكتاب» هكذا بلا انتقاء اسم خاص، ولهذا الاسم رمزية مشرقة على التسمية. وسأكتفي بمثال يوضح سياق كتابه في موضوع المقالة، وهو قول القائل: «حملت الجبل»، فهو معدود عند سيبويه كلاماً مستقيماً لكنه كذب. وأهمية هذا المثال في الكتابة الجماعية أنه جعله قسماً في (الكلام) وطابق فيه بين النسبة الكلامية والواقعية الخارجية، ومن ثم فإنه يجعل للكلام إحالة لمجموع واقع الناس. ومن واقعهم الذي صنعه الكتاب، الرسم الكتابي كما تراه العين وتنتجه، لهذا نجد في (خزانة الأدب) عن كتاب سيبويه قول: «في كل زمن له أعجوبة، لهذا سماه (الناس) قرآن النحو». ولعل مقالة تأتي لتستخدم ما فعله الكتاب في العقلية العربية في ضوء الكتابة الجماعية. وأما ألف ليلة وليلة فهو الكتاب الذي حقق مفهوم الكتابة بإماتة الكاتب الواحد منذ البدء، وتوالى عليه المؤلفون بالمفهوم الجمعي، وكأنه نتاج للصراع الذي جرى للمسارين السابقين، وذلك بأن أمات المؤلف الذي يقتتلون حول مقصده، ويضعون طقساً للقراءة الجماعية من أجله. ومن لطائف الأمر أن يأتي في مقدمة المطبعة (اليسوعية) لليالي، قول إن «ليس لهذا الكتاب من كاتب»، وكأنه استعادة لمقولة يوحنا، وحيرة أسماء المؤلفين.

إذن الكتابة الجماعية هي التي ألغت أن يكون مصدر الإحالة المعرفية شيئا وراء الوجود، أو رؤية كلامية تتصل بالماورائيات مباشرة، وصارت هي المصدر. لكن بما أن المكتوب مرتبط -في الوعي الجمعي- بالقول القديم فقد تأسس مفهوم القراءة الجماعية للوصول إلى معنى مشترك بين المكتوب والمنقول، ألا تراهم ينصون على مفهوم «اللوح المحفوظ»، لكنهم يعملون بالقراءة التنجيمية؟!

التفاتة:

الكتابة الجماعية، توقع الإنسان في ورطة تقديس القول، وجعل المكتوب صدى له، وهي في صميمها تفعل العكس. وبما أن في الأذهان ارتبط السرد بالفعل، وارتبط الشعر باللفظ، فإن ما يتصل بهذه المقالة ينبذ هذه الثنائية، ويجعل اللفظ مقصودا لذاته صانعاً للفعل، لهذا كانت المقالة المقبلة ضرورة كتابية.