من شتلات محدودة جلبتها منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «فاو» كمشروع تجريبي إلى مركز عالمي لتصدير المانجو الفاخرة إلى قصور أوروبا ومنتجعات أمريكا.. هذه هي قصة مانجو جازان. القصة التي بدأت بالتجربة، وانتهت بتحقيق الريادة، مستفيدة من مناخ المنطقة الاستوائي، وتربتها الخصبة، والدعم الحكومي الذي جعل من «بلد المليون شجرة مانجو» ركيزة أساسية في الأمن الغذائي وتعزيز الاقتصاد الوطني.

60 صنفا

انطلقت زراعة المانجو في جازان من محطة التجارب الزراعية في أبو عريش عام 1981 بالتعاون مع «فاو»، حيث زُرعت أصناف عالمية من المانجو توافقت مع مناخ جازان وتربتها. ومع مرور الوقت، نمت التجربة وتوسعت، لتصل اليوم إلى أكثر من مليون شجرة موزعة على أكثر من 60 صنفًا، أبرزها: الساندري، والتومي، والكيت، وبالمر، والكنت، والأرومانس، وخد الجميل، والأونو، والتيمور، والجولي، والزبدة، والرويال، والزل، والسكري، والصديق، والعنب اليمني.


وتعتمد مزارع جازان تقنيات ري حديثة مثل التنقيط، مما ساعد على تعزيز الإنتاج، وتحقيق جودة عالية تؤهلها للمنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية منذ انطلاق التصدير في عام 2021.

أكبر شجرة مانجو

في جازان، تقع أقدم وأكبر شجرة مانجو في السعودية، حيث زُرعت في نوفمبر 1972، ويصل ارتفاعها إلى 30 مترًا، وما زالت تثمر بغزارة، وجاءت شتلتها من مصر، لتكون أساس تجربة زراعية ناجحة، حيث أسهمت في جعل جازان مركزا رئيسا لإنتاج المانجو. وتعتبر الشجرة رمزا للابتكار الزراعي، وهي تجذب الباحثين والزوار، لزيارتها والتعرف على إرثها.

دورة الإنتاج

تمتد دورة إنتاج المانجو في جازان نحو 122 يومًا، من مارس حتى يوليو، وتبدأ الدورة مع التزهير في مارس، حيث تظهر الأزهار على الأفرع الجنوبية أولًا، تليها الشمالية. وفي أبريل، تكتمل مرحلة التزهير وتبدأ العقد، ثم تنمو الثمار تدريجيًا في مايو مع زيادة احتياجاتها من الماء والتغذية. أما في يوليو فيبدأ موسم الحصاد، حيث تُجمع الثمار بعناية، لضمان جودتها في الأسواق المحلية والعالمية.

ثروة غذائية وصحية

يعد مانجو جازان كنزًا غذائيًا حقيقيًا، فكل نصف حبة مانجو تحتوي على 99 سعرة حرارية، و138 غرامًا من الماء، وكمية غنية من الألياف والكربوهيدرات والبروتين.

كما أنها تسهم في تعزيز صحة القلب، وتقليل الكوليسترول، ودعم المناعة، والوقاية من بعض أنواع السرطان، وتحسين صحة العين والبشرة والجهاز الهضمي، مما يجعلها خيارًا مثاليًا لنمط حياة صحي.

مليون شجرة مانجو

في عام 2005، بلغ عدد أشجار المانجو في جازان نحو 250 ألف شجرة بإنتاج سنوي بلغ 18 ألف طن. أما اليوم، فقد تخطى عدد الأشجار مليون شجرة، وزاد الإنتاج 350% في 2025 بإنتاج موسمي يصل إلى 70 ألف طن، مما جعل جازان تتصدر الإنتاج الوطني على مستوى المملكة في المانجو، البالغ 86 ألف طن، تليها مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وعسير، وتبوك، والباحة، ونجران.

أكبر مزرعة مانجو

تضم جازان أكبر مزرعة مانجو في المملكة، إذ تحتوي على 25 ألف شجرة، وتنتج سنويًا نحو 1.500 طن، بمعدل إنتاج يبلغ 65 كيلوجرامًا للشجرة الواحدة، بفضل التربة المثالية والتقنيات الحديثة التي تعتمدها هذه المزرعة.

كرنفال سنوي

يمثل مهرجان المانجو والفواكه الاستوائية، الذي يحتفل بعامه الـ21 في 2025، منصة سنوية مهمة لدعم المزارعين وتنشيط الاقتصاد المحلي.

وبلغت مبيعات المهرجان، الذي أقيم في مايو الحالي، أكثر من 5 ملايين ريال، وشاركت فيه أكثر من 100 جهة، واستقطب أكثر من 100 ألف زائر، وكانت الأصناف الأكثر مبيعًا به: الهندي الخاص، والتومي، وجلن، وساندري، وسنسيشن.

بيع وتسويق إلكتروني

أسهم متجر «مانجو جازان» الإلكتروني في توسيع نطاق التسويق، والوصول إلى المستهلكين داخل المملكة وخارجها، مما عزز مكانة جازان كوجهة تسويقية رقمية متقدمة.

وقد لعب المهرجان منذ انطلاقه عام 2005 دورًا كبيرًا في دعم أكثر من 19.000 مزارع عبر تسويق منتجاتهم، وفتح آفاق السياحة الزراعية أمامهم، وتقديم تجارب فريدة للزوار.

مدن زراعية

أطلقت وزارة البيئة والمياه والزراعة مشاريع بمدن زراعية جديدة في جازان على مساحة تتجاوز 2.2 مليون متر مربع، تشمل مدينة للكاجو و«فاكهة النجمة» ومدينة للفواكه الاستوائية، بالإضافة إلى مركز متكامل للخدمات التسويقية بقيمة 22.9 مليون ريال.

وأسهم برنامج «ريف» في دعم هذه المشاريع، حيث تجاوزت طلبات الدعم 8.791 طلبًا، وقدّم دعما مباشرا للأصول والإنتاج، وغير مباشر عبر آلاف الورش والندوات والزيارات الحقلية.

عاصمة عالمية

تسعى جازان، ضمن رؤية المملكة 2030، إلى التحول إلى عاصمة عالمية للمانجو عبر توسعة المساحات المزروعة، وزيادة الصادرات، وتطوير البنية التحتية الزراعية، مثل مراكز التبريد والتغليف، مع توفير برامج تدريب وتمويل للمزارعين.

ولا تقتصر طموحات جازان على المانجو فقط، بل تمتد إلى زراعة الكاجو وفاكهة النجمة، مما يجعلها نموذجًا رائدًا للتنمية الزراعية المستدامة، التي تجمع بين الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.