في روايته «حَمَامُ الدار» (2017)، الصادرة في طبعتها السادسة في أغسطس 2024 عن دار كلمات للنشر والتوزيع، يدخل الروائي الكويتي سعود السنعوسي عمق التجريب الروائي، الذي جعل من روايته تلك علامة فارقة في مسيرته الروائية.

هي رواية بجزأين أساسيين: الأول بعنوان «العهد القديم. صباحات عِرزال بن أزرق»، يحتل فيه عِرزال موقع الشخصية الرئيسية ويضم نصوصاً ثلاثة، تحمل على التوالي عناوين: «قبل ساعة تأمّل»، «مشروع رواية. نصّ لقيط»، و«أثناء ساعة تأمُّل»؛ والثاني بعنوان «العهد الجديد. صباحات مِنوال بن أزرق»، يحتل فيه منوال موقع الشخصية الرئيسية، ويضم نصاً بعنوان «مشروع رواية نص نسيب».

بين العهدين والشخصيتين ترتسم خيوط تجربة زمنية إنسانية معقدة، تقصَّدَ السنعوسي من خلال التركيبة الفنية لنَصّه، إشراك المتلقي في تفكيك أحجيتها، ولاسيما المتلقي العربي، عبر إطلاق خياله وحثِّه على ربطها وإعادة تشكيلها لالتقاط أبعادها، انطلاقاً من الأرضية التاريخية والتراثية والاجتماعية العربية الواحدة التي تجمع هذا المتلقي بفضاء النص.


لم يُحدِّد السنعوسي زماناً معيناً (سنةً أو مرحلة تاريخية ما)، ولا مكان معيَّناً (دولةً، أو مدينةً أو بلدةً ما)، مُكتفياً بتحميل نصه مؤثرات فنية وجمالية ورمزية مختلفة اغتنى حقله الدلالي معها بكل ما يشير إلى فضاء الخليج العربي، حيث الصحراء والبحر و«رياح الكوس» المشحونة بالأتربة/ و«رياح السموم»/ والرذاذ الذي يدرك الأرض طيناً لزجاً/ والأشياء المغطاة بالتراب والطين/ والصيف اللاهب...إلخ/ والبيت - الدار العربي القديم وأشيائه (قدر معدنية فوق منقلة الفحم/ البهو القديم غير المسقوف/ البئر/ الأرائك الأرضية والمساند ومفارش الحصير والصندوق الخشبي المطعَّم بالنقوش...)...إلخ.

اشتغل السنعوسي على البُنى التي تحكم نصَّهُ، بما في ذلك فضاؤه الدلالي الواسع، لإنتاج ملامح مُعاشة تنبض بالحقائق عن واقع أُسري اجتماعي مُنتج ومُستولدٍ للخوف إلى حدود الموت الفعلي والوجودي. فذهب بعيداً في تركيب هذه البنى استناداً إلى معمار روائي ثلاثي الأضلع: الأول هو بمثابة البنية الأساسية أو المدماك أو الركيزة التي تتحكم بلعبة التخييلي والواقعي، وتُغلِّف التركيبة الفنية لنصه التي تداخلت فيه الحدود بين الكاتب/ المؤلف والراوي العليم والشخصية الرئيسية، ولاسيما أنه يشركنا نحن القراء في طقوس الكتابة الروائية، ومعاناة الكاتب/ الروائي، ومحطات العجز عن الكتابة أو الاستغراق فيها وفي تدفقها، والعلاقة التي تنشأ بينه وبين شخصيات روايته، والتي يخالطها، إلى جانب الأمكنة والأحداث، الالتباس في ذهنه بين حقيقيّتها وتخييليّتها، والسؤال عن مصدرها وهويّتها.. هذا الضلع الرئيسي/ المدماك نهضَ تحت عنوان «قَبلَ ساعةِ تأمُّل»، حيث الكاتِب/ المؤلِّف الضمني مِنوال بن أزرق (م.أ) يشكو لزوجته «منيرة» عجزه عن الكتابة، وسرعان ما يُلفي نفسه، بعدما شرَع في الكتابة قبل الغروب، وقد خرج، مع ارتفاع الأذان من المسجد القريب من بيته فجراً، بنصّ «غير مكتمل كُتب دفقةً واحدة»، كان خلالها «غائباً تمام الغياب لاثنتي عشرة ساعة!» (ص13)، وأمام شخصية عِرزال بن أزرق، التي نبتت أمامه فجأة من دون أن يكون قد تعرف إليها مسبقاً أو أعد لها مع غيرها من شخصيات مشروعاته الروائية المؤجلة.

أما الضلعان المتفرعان عن الضلع الأساسي فهما القسمان المعنونان، كما سبقت الإشارة، بـ«العهد القديم» و«العهد الجديد»، اللذان يشكل كلٌّ منهما رواية قائمة بذاتها يتغير فيها اسم الشخصية الرئيسية (عِرزال في العهد القديم ومِنوال في العهد الجديد، أي المؤلف وقد أضحى شخصية في رواية هو في صدد كتابتها)، ويتغيَّر الزمن (من زمن قديم إلى آخر جديد)، لكن من دون أن يتغيَّر مدماك النصين الموزَّع في كليهما على صباحات خمسة/ نصوص معنونة بـ «صباح أوّل»، و«صباح ثانٍ»،..إلخ (لكن مع إضافة صباح سادس إلى القسم الثاني)، كل صباح منها مُزيَّن بلوحة تشكيلية تنقل مناخات هذه الصباحات الخاصة بكهل خمسيني مضطرب، في غرفة بائسة تمكث حمامة في دكَّتها، ترافقه أحلامه وكوابيسه تارةً، ومذكراته المكتوبة بالأسود الداكن أو الغليظ تارةً أخرى، للتفريق بينها وبين كلام الراوي العليم.

يتقابل القسمان/ العهدان/ الروايتان ويتناظران على مستوى التركيب الفني والتقنيات (استخدام الرموز والوصف والمونولوغ والمشهد المسرحي والتناص والحوار، والأحلام والكوابيس...)، بقدر ما تتناظر غرفة الشخصيتين الرئيسيتين الحاملتين اسميهما على الوزن نفسه «مفعال»، والنسب نفسه «بن أزرق»، فضلاً عن تناظر الشخصيات الأخرى الممثلة بغالبيتها بالحمام والمعز في الأولى، وبشخصيات من لحم ودم في الثانية، لتوليد معنى واحد: معاني «الفقد والفقدان» و«الغياب» و«الموت» و«الخوف».

هاتان الروايتان/ الضلعان أو البُنيانان الفنيّان اللذان احتوتهما البنية الفنية الأساسية للرواية أو مدماكها الرئيسي المحيل على طقوس الكتابة الروائية، سرعان ما يتكشف، ولاسيما عبر التشكل التصويري الإبداعي figuratif الذي ميَّز رواية «حمام الدار»، أنهما، كبنيَتين فنّيَّـتين، تحالَفتا، على الرغم من استقلالهما النسبي، لتَتبعا البنية الفنية الأساسية وتَصبّا في خدمة اللعبة الفنية المحيلة في الظاهر على أساليب كتابة الرواية وأسرارها، وكأننا حيال تمرينٍ فنّي تطبيقي على كيف تُكتب رواية، وكيف يُمكن ابتداع أكثر من صيغة روائية حول فكرة واحدة، أو كيف تنهض الرواية على جدليّة الواقع والتخييل، وكيف يتلاعب المؤلف في تركيب عناصر نصه وشخوصه، وكيف يمكن لهذه الشخوص أن تنتفض على المؤلف وعلى المصائر التي يرسمها لها...إلخ، لكن المولِّدة أو المُنتِجة، فعليّاً، لعلاقات الواقع، ولاسيما حين يكون هذا الواقع رازحاً تحت سطوة الماضي وسيطرته، وتكون أحوال ناسه ومصائرهم تحت قبضة المسكوت عنه. الألوان.. رموزاً وملفوظات

عِرزال/ مِنوال؛ العنزة «قُطنة»/ الصبيّة «قُطنة ابنة العبدة»؛ الحمامات والحمامة الأمّ/ إخوة عرزال وأخواته وأمّه، فرخا الحمام رحّال وزينة/ التوأمان ابنا مِنوال... هي كلّها تقابُلاتٌ ارتبطت، في سياقها التخيلي الخاص لنص سعود السنعوسي، بعناصر المشكلات السردية الأخرى، ولاسيما المكانية والزمانية، فتناضحت وتداخلت وتجاورت كعناصر فنية في فضاء الرمزية الاجتماعية لنص «حمام الدار»، الذي استخدم السنعوسي جملة: «... ثمّ أطبق أسنانه على طرف ثوبه وراح يركض كالمجنون!»؛ أو «.. أخذ يُلوِّح بيديه. يصيح بهما: رحّال.. زينة! ثم أطبق أسنانه على طرف ثوبه وراح يركض كالمجنون!» كلازمة افتتح بها السرد في كل صباح من صباحات عِرزال ومنوال، وشكَّلت إيقاعاً دالّاً على الحالة الكابوسية والجنونية التي بلغها كلٌّ منهما، بقدر ما أغنت عبارة «حَمامُ الدار لا يغيب وأفعى الدار لا تخون»، التي غَدت تيمةً شارِحةً لجدليّة الحضور والغياب في سياق الحدث الروائي، المجاز الفني للرواية وإيقاعها.

السنعوسي الذي اختار الاشتغال على التخييل والأحجية والفضاءات الرمزية، درءاً للوقوع في المباشرة، لم يستغرق في التحليل النفسي، بل لامس من خلال شخصيات روايته ورموزها عمق النفس الإنسانية المعذبة، التي أنهكتها مفاهيم الرجولة والسلطة الأبوية حين تغدو هذه المفاهيم مَصدراً للخوف والتربية على الإذعان: «لا أعرف شيئاً آخر عدا أن أُذعِن لفعل ما لا أُحبّ من أجل من أحبّ» (ص53) يقول عِرزال في مذكراته المحيلة على شذرات من طفولته المستوحِدة المُستوحِشة بين أمٍّ هجرها زوجُها مع إخوته ليؤسِّس عائلة جديدة حتى قتلَها الحزن والفقدان، والعجوز «بصيرة» جدّة والده أو ربما جدّة جدّته، «المُلتحّفة سوادها» (ص25)، والتي لم يرها الطفل تفتح عينيها يوماً، القابعة تحت سقفٍ عتيق تَقَشَّر دهانه لباطن سُلّم البيت العربي القديم وسطحه الواسع والحَمام النائح ومِعزته «قُطنة» البربرية البيضاء والدجاجات وذكر الطاووس وأنثاه وديوك الحبش التي يمضي معها أوقاتاً طويلة (ص53).

في نصّه هذا ساءل السنعوسي النَّفس البشرية إبداعياً، حين جعل من حمامة حطَّـت على دكَّة نافذة كلٍّ من كهلَين خمسينيّين، عِرزال ومِنوال، سبباً لإيقاظ ماضيهما وإطلاق عصف ذكريات الطفولة البعيدة التي شكَّلت منهما كهلَيْن مضطربين على شفير الانتحار. أعادته الحمامة إلى الأب أزرق وحماماته، حَمامات الدار، وإلى رحّال وزينة فرخَي الحَمام اللّذَين غابا، وأمه الحزينة المهجورة التي لا يتذكَّر منها «إلا صوتها؛ غناءً أو خوفاً» (ص62) تماماً كالحمامة الأمّ التي صارت بعد غياب زوجها وغياب صغارها بعد أيّام «تتأسّى بالغناء» (ص63)، لأنّ «الغناء زادُ الرُّوح في الأيام الحزينة» (62)، حتّى نسف هذا الغيابُ «كل إيماني بطبيعة الحَمام» كما يكتب عِرزال في مذكراته (ص62)، وذلك في استعارة رائعة بين حياته العائلية ونظيرتها لدى الحَمام، للإشارة إلى عكس ما كانت تقوله «بصيرة» («حَمامُ الدار لا يغيب وأفعى الدار لا تخون») وإلى عكس ما جَعَلَتْهُ يؤمن به ويشتهيه، لكي تأتي النتيجة لمصلحة ما كان «أزرق البغيض» يفرضه على الطفل بوصفه «على حقٍّ دائماً» (ص96). كما جعل السنعوسي من الألوانِ أيضاً رموزاً وملفوظات (تستحق دراسة سيميائية خاصة بها) تُغني تلك المُساءلة من دون التورّط بمعطيات ومقولات وشروحات جاهزة. فعِرزال الطفل الممنوع عن البكاء، والذي كاد يغرق مرّاتٍ عدّة، حتى أن أباه خَيَّرَهُ «بين أن يموت غرقاً أو أن يصيرَ رجلاً يُجيد السباحة» (ص41)، أو عِرزال الذي خاف أن تصيب بندقيّـتهُ معزتَهُ الأثيرة وأن يَلمح والدُه الدمع في عينيه، ويكتب في مذكّراته قائلاً: «لم أضغط على الزِّناد. والدي هو الذي فعل، أقسم أنه هو، لكن البندقية كانت بين يَديَّ وكل طيور البر وزواحفه تشهد ضدي» (ص74)، عرزال هذا بات «يمقت الأزرق. يمقتُه بحراً، يمقتُه سماءً، ويمقتُه أباً» (ص24)؛ فيما هو بات يشبه الرمادي: «لون لا لون له ولا ذاكرة. يُشبه تمثالاً صارَهُ بإرادته، لون النهايات، لون الدُخان والرَّماد وحُطام البيوت والرُفاة، لون العدم» (ص24).

في سياق استعارةٍ فنيّة رائعة معبِّرة عن انكسار الإنسان، أيّاً كان اسمه، عِرزال أو مِرسال، بنى السنعوسي خطاباً روائيّاً مُعبّراً عن الموت والفقد والغياب وعن أقسى ألوانها المتمثِّلة في اغتراب الإنسان عن قيَمٍ لا تشبهه ولا يُشبهها، وعن طفولةٍ حزينة لا تُفارِقنا، تبقى مُقيمةً فينا، فبرع في تحويل الزمن الداخلي للشخصيّتَيْن إلى إيقاعٍ يتشابك على مواقعه الماضي والحاضر والقديم والجديد ويتداخلان بانسيابية دالّة على زمنٍ روائي مُتميّز. فإذا كانت الرواية «مُمارسة سيميائيّة يُمكن أن نقرأ فيها مساراتٍ مركَّبة لعدة ملفوظات» كما تقول جوليا كريستيفا، فإنّ سعود السنعوسي في روايته هذه أبدعَ في تلك الممارسة الفنية.

* ينشر بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونية الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي