قد يُظنّ أن الكتابة حِكرٌ على الكُتّاب والصحفيين ورجال الأعمال، غير أن الحقيقة أوسع من ذلك؛ فالكتابة حاجة إنسانية، وأداة حياة، ينتفع بها كل من أراد أن يفهم نفسه ويُحسن تواصله مع الآخرين، فنحن مجتمعات إنسانية، والتواصل جزء أصيل من وجودنا، والكتابة -في زمن الرسائل والمنصات الرقمية- أصبحت إحدى أهم لغاته.

إن أعظم فوائد الكتابة لا تتوقف عند الرسائل أو الروايات، بل تبدأ حين نكتب لمجرد الكتابة، فالكتابة أولًا تُصفّي الذهن؛ تُخرج الأفكار المزدحمة من الرأس إلى الورق، فتخفّ وطأتها، ويصفو العقل للعمل والتركيز، وهي ثانيًا تُعيد إلينا الذكريات؛ فكلمة صغيرة قد توقظ مشهدًا قديمًا، فننظر إلى ماضينا بوعيٍ أعمق، ونتعلم من تجاربه، ونبتسم لما كان جميلًا فيه.

وتمنحنا الكتابة قدرة نادرة على حفظ الأفكار قبل أن تتبدد؛ فالفكرة المكتوبة أقل عرضة للنسيان، وأكثر قابلية للنمو والربط والابتكار، كما تساعدنا على وضع أحداث حياتنا في منظورها الصحيح، فنرى الأمور من زوايا متعددة، ونحكم عليها بهدوء وموضوعية، ومع الاستمرار، تتحسن لغتنا وقدرتنا على التعبير الشفهي؛ فمن يُحسن الكتابة يُحسن اختيار كلماته، ويملك ناصية البيان، ثم يأتي شعور الإنجاز؛ ذلك الإحساس الصادق بالرضا بعد إتمام نصّ، أو فكرة، أو حتى صفحة من يوميات.


والكتابة، فوق ذلك كله تمرين ذهني فعّال؛ تُنشّط العقل، وتوقظ الإبداع، وتحافظ على حيويته، إنها ليست ترفًا، بل استثمار في النفس والعقل والحياة، ابدأ بالكتابة اليوم، لا لتكون كاتبًا مشهورًا، بل لتكون إنسانًا أوعى.. أهدأ، وأقدر على فهم ذاتك والعالم من حولك، فالكتابة ليست مجرد كلمات، بل تغييرٌ وتطوّرٌ للذات، وختامًا تبقى الكتابة ملاذًا هادئًا لفهم الذات وترتيب الشعور؛ بسيطة في ظاهرها عظيمة في أثرها، اكتب.. لا لأنك مطالب بذلك، بل لأن الكتابة تمنحك وضوحًا، وعمقًا، ورضا لا يُمنح إلا لمن أحسن الإصغاء لذاته.