منذ تأسيسه عام 2017، برز المجلس الانتقالي الجنوبي كلاعب رئيسي في الجنوب اليمني، معتمدًا على بنية عسكرية وأمنية ومالية مكّنته من السيطرة على عدن ومناطق أخرى. امتد نفوذ المجلس لاحقًا نحو حضرموت والمهرة، في تحرّك قوبل بحساسية خاصة من الرياض التي تنظر إلى هاتين المحافظتين باعتبارهما عمقًا حدوديًا وإستراتيجيًا لأمنها الوطني. في هذا السياق، جاء الدفع بقوات «درع الوطن» إلى حضرموت والمهرة ليس فقط لضبط الوضع الميداني، بل لإعادة رسم حدود النفوذ داخل المعسكر المناوئ للحوثيين.
في المقابل، كان المسار على الضفة الأخرى من خليج عدن يتحرك في اتجاه مختلف. (أرض الصومال) التي أعلنت انفصالها عن الصومال أوائل التسعينيات دون اعتراف دولي، نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء علاقات اقتصادية وأمنية مع قوى إقليمية، خصوصًا عبر ميناء بربرة المطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. توقيع مذكرة تفاهم مع إثيوبيا تمنح أديس أبابا منفذًا بحريًا، ثم الإعلان الإسرائيلي عن الاعتراف بـ "أرض الصومال" وزيارة وزير الخارجية لهرجيسا، نقل الملف من الهامش إلى قلب المشهد الإقليمي.
الخيط الذي يربط عدن والمكلا والمهرة من جهة، وبربرة وهرجيسا من جهة أخرى، ليس الأيديولوجيا ولا الهويات المحلية، بل الجغرافيا الصلبة: باب المندب، وخطوط التجارة التي تربط موانئ الخليج والبحر الأحمر بقناة السويس والبحر المتوسط، مرورًا بسواحل القرن الأفريقي. هنا تحديدًا تتقاطع حسابات الرياض وأبوظبي وأديس أبابا وتل أبيب، ومعها عواصم دولية كبرى تراقب تطور المشهد بدقة.
في اليمن، تميل السعودية إلى مقاربة تقوم على الحفاظ على إطار دولة موحدة قابلة للحياة، أو اتحادية الصيغة، شريطة ألا يظهر على حدودها كيان مسلّح منفلت أو مشروع انفصالي من خارج حساباتها الأمنية. من هذه الزاوية، تبدو «درع الوطن» أداة لإعادة مركزية القرار العسكري في الجنوب، وإعادة توازن العلاقة مع القوى المحلية التي استفادت من حالة السيولة خلال سنوات الحرب.
الإمارات، في المقابل، طوّرت خلال العقد الأخير نموذجًا مختلفًا يقوم على شبكة من الموانئ والمناطق اللوجستية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وشراكات مع سلطات محلية أو أقاليم شبه مستقلة، توفر استقرارًا تجاريًا ومرونة سياسية. من هذا المنظور، يُقرأ الاستثمار في موانئ مثل بربرة، ودعم قوى محلية في جنوب اليمن، في إطار رؤية أشمل لدور تجاري-بحري متقدم في المنطقة.
دخول إسرائيل على خط «أرض الصومال» لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع. الاعتراف بكيان غير معترف به دوليًا يمنح تل أبيب موطئ قدم سياسي وأمني في منطقة حساسة، ويتيح لها حضورًا أقرب إلى ممرات الملاحة البحرية من دون الحاجة إلى المرور عبر المنظومة العربية التقليدية. بالنسبة لإثيوبيا، يمثّل الاتفاق مع هرجيسا محاولة تاريخية للخروج من عقدة «الدولة الحبيسة» من خلال منفذ مباشر على خليج عدن، ولو على قاعدة ترتيبات خلافية مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو.
في ضوء ذلك، يصبح تحرك (درع الوطن) في حضرموت والمهرة أكثر من عملية عسكرية داخلية. هو رسالة متعددة الاتجاهات: إلى القوى المحلية التي تراهن على موازين قوة جديدة في الجنوب، وإلى الشركاء الإقليميين بأن أمن باب المندب وخليج عدن ملف لا تقبل الرياض أن يُدار من خارج طاولة التفاهم معها، وإلى الخصوم في صنعاء وطهران بأن انسحاب السعودية من الحرب لا يعني ترك فراغ إستراتيجي على حدودها وفي الممرات البحرية المجاورة.
على المدى القصير، من المتوقع أن يفتح ترسيخ حضور (درع الوطن) في الشرق والجنوب فصلًا جديدًا من إعادة ترتيب المشهد اليمني، حيث يُعاد تعريف أدوار المجلس الانتقالي وبقية القوى المحلية في ضوء توازنات جديدة على الأرض. وعلى المدى المتوسط، قد تكون النتيجة صيغة يمنية اتحادية تُمنح فيها الأقاليم الجنوبية هامشًا أوسع من الإدارة الذاتية تحت سقف الدولة، مقابل ضبط السلاح وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية.
أما على المدى البعيد، فإن سابقة الاعتراف بـأرض الصومال ودخول لاعبين جدد إلى القرن الأفريقي تعيد طرح سؤال الحدود والدولة في المنطقة، وتفرض على الدول العربية المطلة على البحر الأحمر ومنها السعودية ومصر والسودان وجيبوتي الانتقال من مقاربة التجزئة (كل ملف على حدة) إلى مقاربة أمن جماعي تأخذ في الاعتبار تشابك السواحل والممرات البحرية والموارد.
في النهاية، ما يجري في جنوب اليمن و(أرض الصومال) ليس تراكمًا لمصادفات متفرقة، بل جزء من عملية أعمق لإعادة توزيع النفوذ على ضفتي واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. السؤال المطروح اليوم على العواصم العربية ليس ما إذا كان هذا التغيير واقعًا أم لا، بل: هل ستشارك في صياغة قواعد اللعبة الجديدة في باب المندب، أم ستكتفي بالتكيّف مع خرائط يرسمها الآخرون؟