لا ريب أن هذا الطبيب السويسري ذا الخلفية الكهنوتية كان في زمنه ذائع الصيت وطبَّقت شهرته الآفاق، فقد تحول منزله في بلدة كوسناخت على بحيرة زيورخ إلى قبلة تقاطرت إليها الشخصيات والمرضى من كل فجاج الأرض. كان يونج شخصية جذابة وذا ذهن متوقد متعطش للمعرفة، كما أنه تميز ببنية جسدية قوية، إذ كان فارع الطول تنتصب قامته إلى نحو مترين، وهو الأمر الذي حدا بفرويد حين التقطت الصورة الشهيرة للمؤتمر العالمي الثالث للتحليل النفسي في العام 1911 إلى مجاورة يونج والوقوف فوق صندوق كي يبدو الأب أطول قامة من وريثه الشرعي في مملكة التحليل النفسي.
ولد كارل جوستاف يونج في يوليو 1875 لأب يعمل أسقفاً لأبرشية ريفية كان قد انخرط في السلك الكهنوتي بعد الحياة الأكاديمية، ومات في بداية العقد الخامس من عمره تاركا كارل وشقيقته «يوهانه» يتجرعان كأس اليتم مبكراً. ومنذ البداية كان مقررا أن يقتفي يونج خطى أبيه في دراسة اللاهوت، ولكنه صرح بأنه عدل عن ذلك المسار وعزم على دراسة الطب البشري بعد طيف راوده أثناء وجوده في ساحة مونتسر بلاتز في بازل. وهذا ما يعكس جوهر العامل الديني في فكره، إلى الدرجة التي نقش فيها فوق مدخل منزله عبارة «سواء كنت مدعوا أو لم تدع، فالله سيكون حاضراً».
بعد تخرجه، عمل يونج في مستشفى بورغولزلي التي كانت تعد، في مقاييس ذلك الزمن، مؤسسة طبية ضخمة وفي غاية التقدم. وهي في الأصل مستشفى تأسست في العام 1870، وكان الغرض منها طبابة المرضى المصابين بالذهان والمسمى بمصطلحات ذلك الزمن «الخرف المبكر» والمشتق من تحوير الكلمة الألمانية «الغباء المبكر»، واستقر العلم راهناً على تسميته بانفصام الشخصية. ففي زمن كانت فيه أوروبا غارقة في عوالم يحكمها التزمت والطهرانية، ابتكرت مؤسسات الطب النفسي كهوامش اجتماعية مظلمة يحتجز فيها الأشخاص غير المتطابقين مع معايير المجتمع، وهو الأمر الذي يوضح طبيعة النهج والفهم اللذين كان يعالج عبرهما المرضى آنذاك. غير أن مصحة بورغولزلي كانت تسعى من خلال بحوثها وطاقمها الخبير إلى استكشاف علاجات جديدة يكون تأثيرها ناجعاً على المرضى وتؤدي إلى شفائهم. وفي بيئة كهذه وضع يونج اللبنات الأولى لمنهجه.
العالم الموغل بأعماق النفس
ربّما تفصلنا عن ذلك الزمن سنوات بعيدة وأخرى أكثر اتساعاً من منظور تطوُّر العلم ومُراكَمة منجزاته، إلا أن الإنسان المعاصر ما زال يتحدث بشكل عفوي عن مصطلحات من قبيل الشخصيات «المعقدة» أو الشخصيات «الانطوائية» والأخرى «المنفتحة»، من دون أن يدرك أن هذه المصطلحات قد قام بسكها كارل جوستاف يونج. ولا يقف الأمر عند ذلك، فالكثير من أفكاره لا تزال تحتفظ بصلاحيتها وشهرتها بعد كل هذا الزمن.
إن هذا الرجل الذي حاجج فرويد وتركز اهتمامه المركزي على إدراك النفس، كان في نظر الكثيرين، وبخاصة مؤرخي حركة التحليل النفسي، هو الذي أرسى القواعد الثابتة في هذا الفرع الملتبس من العلوم. ومن دون أدنى شك، فإن يونج انتزع شهرة توازي تلك التي اكتسبها معلمه فرويد وكان تأثيره الأول لا جدال فيه، وامتد إلى علوم أخرى تنقل فكره فيها برشاقة، من بينها، على سبيل، الإحاطة بعلوم الإناسة والأدب والفن والفلسفة. وقد رأى يونج أن اللاوعي كما يكشف عن نفسه للبشر في الأحلام، هو في المقام الأول أرض خصبة قوية للإبداع البشري، وبهذا اختلف عن أفكار أبيه الروحي سيغموند فرويد، الذي رأى في تلك الأحلام انفلاتاً لصدمات مكبوتة.
إلى جانب فرويد، يعد يونج مثالاً يحتذى به كعالم بأعماق النفس وملهم لجيش من النفسانيين الذين تتناسلهم مختلف المؤسسات الطبية والأكاديمية في العالم، وينشط العديد من الجمعيات والحلقات التي تدين بالولاء لنهجه وفكره، مثلما أن المكائن الإعلامية تدفع بين الحين والآخر بسيل من البرامج والوثائقيات والبودكاستات والأفلام عن حياة يونج وأفكاره. وقد يكون وراء هذا الهجس بيونغ، سيرة وفكرا، مقدرته الفذة على اختراق الجدران القائمة بين الحقول العلمية، فضلاً عن أنه كان باحثاً دقيقاً للغاية، وإن كان تميزه عمَّن سبقوه يكمن في منهجه الذي لم يستبعد الظواهر الروحية والغيبية، والتي صرف قسطاً كبيراً من حياته في دراستها؛ فكان بذلك وشيجة مأمونة بين عوالم الواقع والغيب وسبّاقاً في جعل الأفكار الباطنية تحظى بالقبول الاجتماعي.
أضف إلى ذلك أن يونج نجح في أن يجعل للتحليل النفسي موطئ قدم في مؤسسات التعليم العالي. ففي مقررات علم نفس الشخصية التي هي في صلب الدراسة الأكاديمية لتخصص علم النفس، يظهر اسم كارل يونج بوصفه مؤسساً لمصطلح الانطواء. وهذا مفهوم شائع جداً في علم نفس الشخصية راهناً، وإن طرأت عليه بعض التصويبات التي جعلته مختلفاً عن المعنى الذي قدمه يونغ؛ إذ تعامل يونج مع مصطلح الانطواء على أنه انطواء على الذات حصراً، بحيث يَنظر المرء إلى نفسه بدلاً من التوجه ببصيرته نحو الخارج، ومتجهاً بالتالي نحو الحواس والعالم. ففي علم نفس الشخصية، بات هذا المفهوم يسمى «التواصل الاجتماعي»، فيما الإنطوائيون لا يميلون إلى مخالطة الآخرين، وتلوح عليهم علامات التحفظ فيحجمون عن التحدث بحرية مع الآخرين. وهكذا تكون النظرة الداخلية أو الخارجية التي قال بها يونج قد اندثرت، ولكن المصطلح لا يزال موجوداً.
يونج ومبدأ التفرد
أولى يونج في منهجه للعلاج النفسي أهمية قصوى لمبدأ التفرد، والذي غالباً ما يتم التعبير عنه بعبارة «كن على طبيعتك». ويَنهض هذا النهج على القول إن اللاوعي لدى كل فرد يتولى إرشاده إلى شخصيته الحقيقية. وكان لدى يونجمفهوم آخر قام باجتراحه على الضد من تعاليم فرويد وهو اللاوعي الجمعي. وكان هذا المفهوم قد ضرب عرض الحائط بما كان قد سبق لفرويد أن ركز عليه عن الخبرات الفردية التي يعيشها المرء، وبخاصة في مرحلة الطفولة، والتي يقوم بكبتها لاحقاً. أما يونج فرأى أن هناك أساساً روحياً جماعياً، أنفق في شرحه وصوغه وقتاً طويلاً، فيقول إن ثمة أنماطاً تعود إلى عصور قديمة وتنتقل عبر الأجيال، بحيث تكتسب بذلك صفة الوراثة، وتكون جنباً إلى جنب مع الغرائز، ومتجسدة في الجينات البشرية وتكون أنماطاً يملأها الفرد من خلال عيشه للحياة. وكلما أَفسح المرء المجال لهذه الأنماط القديمة، التي غالباً ما يجهلها، في أن تتفاعل مع اللاوعي، أخذ هذا الأخير في الاقتراب من جوهره الحقيقي. ويَستتبع ذلك بالضرورة حقيقة أن ذلك الجوهر موجود في أعماق الفرد وما عليه سوى التنقيب عنه وكشفه، وهو ما يتأتى عنه حقيقة ثانية تأخذ بتلابيب الأولى مفادها أن في أعماق كل إنسان هدفاً وغاية، وفي أن الحرية تكمن في قدرة المرء على بلوغ ذلك الهدف وتلك الغاية.
في كتاباته رسم كارل جوستاف يونج خطاً عريضاً لعلاقة الفرد بذاته الداخلية، بحيث رأى أن كل امرئ له سبيل محدَّد مسبقاً يتحتم عليه أن يمضي فيه. وعد الكثيرون من شراح تراث يونج أن هذا القول ينطوي على طمأنة للفرد وعلى دعوته للاسترخاء؛ فحين يتملكه هذا الشعور ليس هناك الكثير مما يتوجب عليه القيام به، إذ ليس مُجبراً بالتالي على مكابدة الحياة واختبارها. فعلى الفرد أن يسبر غور نفسه فقط، وأن يَنظر فيها كي يدرك مسار حياته القويم. وما سَبق يوضح الترابط المحكم بين أنموذج يونج والتقنية المشار إليها بنموذج التعبير كأحد صنوف علاج المرء من خلال جعْلِه قادراً على التعبير عمّا يمور في دخائله، ومن ثم الوصول إلى جذر التفرُّد. فهذا المصطلح الذي يقوم بدور مركزي في علم النفس البشري، غالباً ما يتعلق بحقيقة أنه لا يمكن تطويره إلا باكتساب الخبرات. ورأى يونج أن المفتاح لذلك هو في الكشف الخلاق عن أحلام المرء، عبر تفسير الرموز التي تظهر في الأحلام والرغبات، وبهذا المعنى فإن يونج كان يشيد نظرية للتطور عمل على إتمامها في مراحل لاحقة.
*كاتب من الكويت
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.