لست هنا في موقع المتحدث عن تفاصيل هذا العمل الجميل جدًا، فتلك مهمة أخرى.
من الأشياء التي يجب أن أوضحها على سبيل الاعتراف بجميل هذا المؤلف الجميل.. إنه كان دافعًا ضمن دوافع للإشراع في تجربة كتابة رواية «الوسمية».
ذلك أنها نقلتني على صهوة من التداعيات إلى صميم الجو الحقيقي لمجتمع القرية وجزئيات علاقاتها.
هذه مسألة.
مسألة أخرى باختصار - حول هذا العمل.. تلك هي مسألة خلق حس إنساني بخصوصية اجتماعية لا تعرف عنها فيما سبق إلا كونها مطلية بلون التفرقة والاضطهاد الأسود.
تبدأ أول فصول الرواية قُبيل الاستعمار، تأخذنا عبر بيت أكونكو، وزوجاته الثلاث، وأبنائه. نتابع حياته اليومية كمزارع نشيط استطاع تحقيق الثراء ونيل الاحترام. كما تصور لنا أيضًا صراعاته الداخلية، فأكونكو يسيطر عليه خوف من أن يكون مثل أبيه، ذاك الكسول الجبان الذي لم يحقق شيئًا يذكر طوال حياته. فهو لا يراه كرجل، فالرجولة تترادف عنده مع القوة وتحقيق المجد والإنجاز. حتى ينأى بنفسه عن هذا الهاجس، يسير أكونكو على النقيض من أبيه، يحاول إبراز نفسه كرجل قوي حتى لو أدى ذلك لكونه قاسٍ وفي بعض الأحيان عنيف. يؤدي ذلك في وقوعه بما لا يحمد عقباه عند إتيان الاستعمار.
على خلفية حياة أكونكو، يرسم لنا الكاتب مجتمع الإيغبو. كقطع الفسيفساء، ينشر عبر صفحات روايته حياة ذلك الشعب، وعبر تجميعها مع آخر الفصول، يكون قد اجتمعت لدى القارئ صورة مكتملة تضج بالحياة. يطلعنا الكاتب على عاداتهم وتقاليدهم، يجعلنا جزءًا من مراسم الأعياد والاحتفالات، ويطعم سرد الرواية أيضًا بحكم وأمثال الإيغبو وبعض المصطلحات من لغتهم -في استخدام فريد للغة الإنجليزية- الأمر الذي حدا بالبعض للنظر إلى «أشياء تتداعى» كوثيقة أنثروبولوجية.
غير أنك بعد قراءتك لـ «الأشياء تتداعى» سوف تصرخ:
كم نحن متخلفون!! تخلفًا «اطلاعيًا» و«إبداعيًا».. إنك لتسأل، أو تتساءل:
ما العذاب الذي تدفق من بين أنامل «شينو اشيبي»، وهو يتصارع مع اللغة التي يكتب بها حتى يصل إلى من يفهمه من أبناء مجتمعه.. خاصة إذا علمنا أن أمامه مئات اللهجات تتعدد بتعدد القبائل؟
أم إنه يلقي بكل هذا، ويكتب بلغة المستعمر.. تلك اللغة التي يكتب من أجل التخلص منها؟ ليتك يا عزيزي تقرأ (الأشياء تتداعى) .
1986*
* روائي وصحافي سعودي«1955 - 2000».